مقدمة
هل لاحظتِ يوماً كيف أن أبشع الأيام في حياتنا تبدأ كأي يوم عادي؟
تستيقظين على صوت المنبه ذاته، تشربين قهوتكِ بالطريقة ذاتها، تتذمّرين من ازدحام شارع الحمراء كعادتكِ. تفكرين فيما ستلبسين، وفي درس العود الذي تأخّرتِ على حفظه، وفي أمكِ التي ستتصل بكِ لتذكّركِ بموعد الخياطة.
لا أحد يستيقظ صباحاً وفي رأسه فكرة: قد أموت اليوم.
أنا على الأقل لم أفعل.
ولم يخطر ببالي قط أنني كنتُ أبتسم في وجه من سيقتلني، أناوله فنجان الشاي بيدي، وأضحك من نكاته السخيفة.
كانوا يقولون لنا إن الشرّ له ملامح. وجوه شاحبة، عيون زائغة، ابتسامات ملتوية. كنّا نتعلّم في المدرسة أن نحذر الغريب الذي يتكلّم وحده في الشارع، أو الرجل الذي يحدّق بنا طويلاً عند موقف الباص. كان الأمر بسيطاً: ابتعدي، اعبري الرصيف الآخر، ادخلي إلى أقرب محل.
لكن الزمن تغيّر.
أخطر الناس اليوم يضحكون أكثر منّا. يرتدون ثياباً مرتّبة، يعطّرون أنفسهم بعطر باهظ الثمن، ويعرفون كيف يقولون الكلمة المناسبة في اللحظة المناسبة. يشبهوننا، أو يشبهون من نتمنى أن نكون مثلهم. لهذا نفتح لهم الباب، ونصبّ لهم القهوة، ونرويهم أسرارنا قبل أن نعرف أسماء أمهاتهم.
كيف نميّز إذن الطيب من الخبيث؟
لا نستطيع.
حتى يفوت الأوان.
الفصل الأول
الدم كان يسيل بهدوء من إصبعي، يلطّخ ورق النوتة الموسيقية أمامي ببقعة صغيرة بحجم حبة العدس. ثم كبرت البقعة. صارت بحجم قطعة نقدية.
من يفكر في النقود وهو ينزف؟
أنتِ تفكرين، همس صوتٌ ساخر في رأسي، لأنكِ نسيتِ أن تأكلي الإفطار مرة أخرى، فعقلكِ يبحث عن شيء يلهيه عن الجوع.
تنهّدتُ. هذه عادتي القديمة. أتحدث مع نفسي عندما أكون وحيدة، وأنا أكون وحيدة في معظم الأوقات. ليس لأنني لا أملك أصدقاء. عندي ميرا، وعندي خالتي ابتسام التي تعاملني كابنتها. لكن حين تكون حياتكِ كلها مربوطة بشيء واحد، بهَوَسٍ واحد، فإن الناس يصبحون على هامش الصورة.
العود.
هذا ما يملأ حياتي.
"رهف، انتبهي!" صاح أستاذ زهير من زاوية القاعة، وعصاه الخشبية تطرق على حافة المنصة. "أين أنتِ؟ نحن نعيد المقطع منذ ربع ساعة."
رفعتُ رأسي بسرعة، وأخفيتُ إصبعي الجريح تحت كم قميصي. ابتسامة معتذرة، إيماءة برأسي. كل الحركات المعتادة التي أعرفها منذ كنتُ في الحادية عشرة.
في معهد بيروت الوطني للموسيقى، لا شيء يكرهه الأساتذة أكثر من طالبة شاردة الذهن. ربما طالبة لا تضبط الإيقاع، أو طالبة تعزف بأصابع مرتعشة. لكن الشرود؟ هذا اعتداء شخصي على الفن نفسه.
نظرتُ إلى قدميّ مرة أخيرة، ثم رفعتُ العود وبدأتُ من جديد. أصابعي تتحرك على الأوتار بسرعة، تنقر، تربط، تنزلق. كل ما تدرّبتُ عليه طوال الأسبوع كان معلّقاً على هذه اللحظة. كل الساعات التي قضيتُها في غرفتي حتى الفجر، وكل الوجبات التي فوّتُها، وكل صداع أمي من صوتي المتكرر.
أنهيتُ المقطوعة. صمتٌ قصير. ثم أومأ الأستاذ زهير برأسه إيماءة لا تعني الرضى ولا الغضب. مجرد قبول.
"عودي إلى صفّكِ."
تسلّلتُ إلى مقعدي في آخر الصف، أحاول أن أصير خفية. الأفضل أن يخطئ غيري الآن، أن تنحرف الأنظار عني.
أعرف أن هذا قبيح. أن أتمنى الخطأ لزميلاتي. لكنكم لا تفهمون. حين تكونين طالبة في معهد كهذا، وحين يكون مستقبلكِ كله متعلّقاً بترشيحٍ واحد للمنحة الدراسية في إسطنبول، تصبح كل بنت في الصف عدوّة محتملة. حتى لو ابتسمتِ في وجهها صباحاً وقاسمتِها شطيرتكِ في الاستراحة.
"يا ستّ الكل، أنتِ خلّيتي الأستاذ يقطّب حواجبه اليوم."
عرفتُ الصوت قبل أن ألتفت. سامر. صديقي الوحيد في هذا المكان.
"لم أكن أحاول."
"أعلم. لكنكِ نجحتِ على أي حال."
ابتعد خطوة، رفع يده يطلب مني أن أتوقف، وغمز.
"إنتي مالكِ؟ شو في؟"
"لا شيء. فقط... جرحتُ إصبعي على الوتر الأول."
أمسك بيدي قبل أن أمنعه. نظر إلى الجرح الصغير، ثم إلى وجهي. حاجباه ارتفعا بطريقة تعرّفتُ عليها منذ سنوات. سامر يقرأني كما يقرأ النوتات. لا أستطيع أن أخفي عنه شيئاً.
"رهف، إنتي ما أكلتي اليوم كمان؟"
"أكلت."
"كذّابة."
أبعدتُ يدي بهدوء، ولفّيتُ كمّي حول الجرح.
"عندنا تجربة أداء الشهر القادم. يجب أن أكون مستعدة."
"وإذا متّي قبلها؟"
"لن أموت."
ابتسم بسخرية، لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه. سامر، يا سامر. لو يعرف الناس كم أنت طيب، لأكلوك أكلاً.
نحن صديقان منذ كنّا في الخامسة عشرة. التقينا في أول يوم لنا في المعهد، حين سقطت عينة النوتات من يدي على الدرج، وانحنى ليساعدني. منذ ذلك اليوم، صرنا كظلّ وصاحبه. هو يعزف الكمان، أنا العود. هو من حلب، أنا من بيروت. هو يضحك بصوت عالٍ، أنا أبتسم بهدوء.
لكننا متشابهان في الأهم: كلانا جاء إلى هنا هرباً من شيء ما.
"اسمعي،" قال وهو يجلس بجواري على الأرض. "بعد التمرين، تعالي معي إلى مقهى أبو نزار. نأكل شيئاً. أرجوكِ."
"عندي تمرين في البيت."
"رهف."
"سامر."
تنهّد، ثم أخرج من حقيبته قطعة كعك ملفوفة بمنديل ورقي.
"خذي. على الأقل هذه."
ترددتُ. ثم أخذتُها. في الحقيقة، كنتُ جائعة جداً.
انتهى التمرين متأخراً. خرجتُ من المعهد وحدي، بعد أن أصرّت ميرا على أن تذهب مع سامر إلى مقهى قريب لاحتساء القهوة. رفضتُ الذهاب معهما. كان عندي تمرين، وأمي تنتظرني، وألف عذر جاهز على لساني.
الشارع كان مزدحماً كالعادة. أصوات السيارات، نداءات الباعة، رائحة القهوة المختلطة برائحة الرصيف المبلّل من رشّ الماء. مشيتُ ببطء، أحمل علبة العود على ظهري، وأفكر في الترشيح. في تجربة الأداء. في كل النوتات التي ما زلتُ أحتاج إلى ضبطها.
ثم رأيتُه.
كان يقف عند مدخل المعهد، يتحدث مع إحدى الطالبات الجدد. شاب طويل، نحيف لكن مفتول العضلات بطريقة تلفت النظر. شعره أسود، مرتب بإهمال مدروس. يرتدي قميصاً رمادياً بسيطاً، وبنطالاً أسود. لا شيء فيه يستحق التوقف.
لكنني توقفتُ. ربما لأنه التفت في تلك اللحظة بالذات، وتقاطعت عيوننا. ابتسم. ابتسامة هادئة، مهذبة، كأنه يعرفني منذ زمن. ثم أدار وجهه يكمل حديثه مع الفتاة.
أسرعتُ خطواتي. لا أعرف لماذا تسارع قلبي. ليس من الإعجاب، أؤكد لكِ. أنا لا أملك ترف الإعجاب بأحد. الموسيقى تأخذ كل ما عندي من مشاعر، ولا تترك فضلة لشخص يجلس في مقهى ويبتسم لعابرة.
لكن شيئاً في تلك الابتسامة... شيئاً ما لم يكن في مكانه الصحيح.
تجاوزتُ الزاوية، ووقفتُ لأرتاح. أخرجتُ هاتفي، تظاهرتُ بأنني أبحث عن شيء. ثم نظرتُ خلفي. لم يكن هناك أحد.
ضحكتُ من نفسي. ها أنا أتخيل أشياء. هذا ما يحدث حين تنامين أربع ساعات فقط، وتأكلين قطعة كعك واحدة طوال اليوم. كملتُ طريقي إلى البيت. ولم أكن أعرف بعد أنني، في تلك اللحظة، حين رفعتُ عيني والتقتا بعينيه، كنتُ قد فتحتُ باباً لن أستطيع إغلاقه أبداً.
الفصل الثاني
البيت كان هادئاً حين فتحتُ الباب. هدوء أمي يختلف عن هدوء البيوت الأخرى. هدوءها ليس غياباً للصوت، بل حضوراً لشيء آخر. شيء ثقيل، مشحون، كأن الجدران تحبس أنفاسها بانتظار شيء.
"رهف؟"
"أنا، يما."
سمعتُ صوت الكرسي الهزّاز يتوقف في الصالة. خطواتها البطيئة على البلاط. أمي تمشي كأنها تحسب كل خطوة، كأن الأرض قد تخونها في أي لحظة. منذ مات أبي قبل ثلاث سنوات، صارت تمشي هكذا.
ظهرت في إطار الباب. شعرها الأبيض مربوط إلى الخلف، عباءتها الزرقاء التي لا تفارقها في البيت، والنظارة المعلقة على طرف أنفها. "تأخّرتِ."
"التمرين طوّل."
"أكلتي؟"
"أكلت في المعهد، يما. سامر جاب لي كعك."
نظرت إليّ نظرة طويلة. أمي لا تصدّقني، أعرف ذلك. لكنها تختار أن تجاريني، لأنها تعبت من الجدال. تعبت من كل شيء. "الفول جاهز. تعالي كلي معي."
"بعد قليل، أريد أن أتمرن أولاً."
"رهف."
كانت في صوتها نبرة لم أسمعها منذ زمن. نبرة الأم. لا المرأة المنكسرة التي صارتها بعد أبي، بل الأم التي ربّتني. ألقيتُ علبة العود على الكنبة، وذهبتُ معها إلى المطبخ.
أمي صبّت لي الفول، وأضافت زيت الزيتون وقطعة ليمون. جلست أمامي، تشاهدني وأنا آكل. لم تأكل هي شيئاً. اكتفت بفنجان شاي. "يما، أنتِ ما أكلتي؟"
"أكلت من الصباح."
كلتانا تكذب على الأخرى. كلتانا تعلم.
"كيف كان درس الأستاذ زهير اليوم؟"
"عادي."
"عادي يعني شو؟"
ترددتُ. لو قلت لها إنني شردتُ في الدرس، وإن إصبعي نزف، وإن الأستاذ زهير قطّب حاجبيه، لتحوّل البيت إلى محكمة. أمي لا تطيق فكرة أنني قد أفشل. فالمنحة هي طوق نجاتنا الوحيد. منذ مات أبي وترك ديوناً نسدّدها على دفعات شهرية للبنك، صار وضعنا المالي معلّقاً بشعرة. وهذه الشعرة اسمها: رهف. رهف التي ستحصل على المنحة. رهف التي ستسافر إلى إسطنبول. رهف التي ستصير عازفة محترفة. رهف التي ستنقذ أمها.
"الدرس كان جيداً، يما. لا تقلقي."
"وتجربة الأداء؟"
"الشهر القادم."
"ومستعدة؟"
ابتلعتُ لقمة الفول بصعوبة. "مستعدة."
أومأت برأسها، ثم نظرت إلى يدي. "شو هاد؟" نسيتُ أمر الجرح. كان كم القميص قد انزاح، وظهرت بقعة الدم الصغيرة. "لا شيء. أصابني وتر."
"رهف."
"يما، أرجوكِ. هذا يحدث لكل العازفين."
نهضت من على الطاولة، وذهبت إلى خزانة الأدوية. عادت بقطعة قطن ومحلول مطهّر ولاصق طبي. "أعطيني يدكِ."
"أنا قادرة—"
"أعطيني يدكِ."
أعطيتُها. نظّفت الجرح بهدوء. حركاتها كانت دقيقة، رغم أن يديها بدأتا ترتعشان مؤخراً. ثم وضعت اللاصق، وضغطت برفق. "رهف، أنتِ كل ما عندي."
قلتها بصوت خفيض، دون أن تنظر إليّ. "أعلم، يما."
"لا تتعبي نفسكِ كثيراً. ولا تنسي تأكلي."
"حاضر."
لكنها كانت تعلم، كما كنتُ أعلم، أنني سأنسى. أن الموسيقى ستأخذني مرة أخرى، وأنسى نفسي تماماً.
بعد العشاء، صعدتُ إلى غرفتي. غرفتي في الطابق الثاني من البيت القديم. سقفها مرتفع، شبّاكها يطلّ على باحة صغيرة فيها شجرة ليمون زرعها أبي قبل أن يمرض. في الزاوية، رفّ خشبي يحمل علبة العود، وكتب النوتات، وصور قديمة لأبي وهو يعزف الكمان في عرس عمتي.
أبي كان موسيقياً أيضاً. ليس محترفاً، لكنه كان يعزف لمتعته. هو من علّمني أول أغنية على العود حين كنتُ في السابعة. كان يضع أصابعي على الأوتار ويقول لي: "لا تخافي من الأوتار، يما. هي صديقتكِ. لو خفتِ منها، ستجرحكِ. لو أحببتيها، ستغني لكِ."
أخرجتُ العود من علبته، وجلستُ على الأرض، مسندة ظهري إلى السرير. بدأتُ أتمرّن. ساعة. ساعتان. ثلاث ساعات. أصابعي تؤلمني. الجرح يفتح من جديد. لكنني أكمل. لأن في عقلي صورة واحدة: قاعة كبيرة، أضواء، لجنة تحكيم، وأنا أعزف. والجملة التي ستأتي بعدها: "رهف نصّار، حائزة المنحة الدراسية للعام القادم."
في حوالي الواحدة بعد منتصف الليل، اهتزّ هاتفي على الأرض. نظرتُ إلى الشاشة. رقم لا أعرفه. ترددتُ. عادةً لا أردّ على الأرقام الغريبة. لكن شيئاً ما جعلني أمدّ يدي. "ألو؟"
"رهف؟" صوت رجل. هادئ، واضح. لكنني لم أعرفه. "نعم، مَن معي؟"
"اسمي كريم. كريم العلي. أنا الطالب الجديد في المعهد، تعرفت إلى الأستاذ زهير اليوم. هو أعطاني رقمكِ."
تجمّدت يدي على العود. كريم العلي. الشاب الذي كان يبتسم لي عند المدخل. "الأستاذ زهير أعطاك رقمي؟"
"نعم. قال لي إنكِ من أفضل طلابه، وإنني لو أحتجتُ أي مساعدة في التأقلم على المعهد، أتواصل معكِ. أتمنى ألا أكون قد أزعجتكِ في وقت متأخر."
كان صوته مهذباً جداً. مهذباً بطريقة... محسوبة. "الأستاذ زهير لم يخبرني بشيء عن هذا."
"حقاً؟ هذا غريب. على كل حال، أعتذر إن كنتُ قد أخطأتُ بالاتصال في هذا الوقت. يمكنني أن أكلّمكِ غداً في المعهد."
ترددتُ. شيءٌ في داخلي كان ينبّهني. شيءٌ يقول لي أن أنهي المكالمة، أن أحجب الرقم، أن أنسى الأمر. لكنني— لا أعرف لماذا قلتُ ما قلتُه. "لا بأس. ما الذي تحتاجه؟"
"في الحقيقة، أبحث عن أستاذ خاص للعود. أنا أعزف الكمان أساساً، لكنني أردتُ أن أتعلم العود في وقت فراغي. هل تعرفين أحداً؟"
"هناك الكثير من الأساتذة في المعهد."
"أعلم، لكنني أردتُ شخصاً يدرّس بأسلوب... شخصي. ربما طالباً متقدماً مثلكِ."
صمتُّ. "أنا لا أعطي دروساً."
"أفهم. كان مجرد سؤال. شكراً لكِ، رهف. أراكِ غداً في المعهد."
أنهى المكالمة قبل أن أردّ. جلستُ هناك، الهاتف في يدي، والعود على فخذي، وشعورٌ غريب يزحف على ظهري. لماذا الأستاذ زهير يعطي رقمي لطالب لا أعرفه؟
أمسكتُ بالهاتف وأرسلتُ رسالة لميرا. "إنتي صاحية؟" ردّت بعد ثوانٍ: "إيه. شو في؟"
"تعرفي طالب اسمه كريم العلي؟"
"الشاب الجديد؟ إيه طبعاً. كل البنات يحكوا عنه اليوم."
"بسبب شو؟"
"يا حبيبتي، هلق شفتيه؟"
تجاهلتُ السؤال. "اتصل فيّ. قال إن الأستاذ زهير أعطاه رقمي." تأخّر ردّها هذه المرة. "رهف، الأستاذ زهير ما يعطي أرقام البنات لحدا. عمره ما عمل هيك."
أحسستُ بشيء ينقبض في صدري. "يعني..."
"يعني خلّيكِ بعيدة عنه. مش طبيعي إنه يفتش على رقمكِ ويكذب إنه أخذه من الأستاذ."
"ربما حصل سوء فهم."
"رهف."
"ميرا، خلّينا نشوف بكرا. لازم ننام."
أغلقتُ الهاتف. نظرتُ إلى الشبّاك. شجرة الليمون كانت ترتعش في الريح، وأوراقها تتحرك بهدوء كأنها تحاول أن تقول لي شيئاً. من أين جاء برقمي إذن؟ ولماذا اخترتُ أن أصدّق كذبته، بدلاً من أن أغلق الخط في وجهه؟
الفصل الثالث
في صباح اليوم التالي، وصلتُ إلى المعهد مبكراً. كنتُ قد قرّرتُ أن أسأل الأستاذ زهير مباشرة. لو كان فعلاً قد أعطى رقمي لكريم، فلا بأس. سأعرف أن الأمر طبيعي. أما إذا لم يكن قد فعل، فهذا يعني أن كريم وصل إلى رقمي بطريقة أخرى. وهذا يعني...
لا أعلم ما يعنيه. دخلتُ إلى مكتبه. كان جالساً وراء طاولته، يقرأ صحيفة، ويحتسي قهوته السوداء. "صباح الخير، أستاذ."
رفع عينيه من فوق نظارته. "رهف. مبكّرة اليوم."
"نعم، أردتُ أن أسألك عن شيء."
"تفضّلي."
ترددتُ. كيف أصيغ السؤال دون أن أبدو وقحة؟ "أستاذ، البارحة اتصل بي طالب اسمه كريم العلي. قال إنك أعطيتَه رقمي."
ارتفع حاجباه. "كريم؟"
"الطالب الجديد."
"أنا أعرف من هو. لكنني لم أعطه رقمكِ، يا رهف. أنا لا أفعل هذا أبداً. تعرفين سياستي."
شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري. "إذن... من أين أخذه؟"
نظر إليّ الأستاذ زهير نظرة جدية. "رهف، هل قال لكِ شيئاً غير مريح؟"
"لا، لا. كان مهذباً جداً. قال إنه يبحث عن أستاذ للعود."
"حسناً، أنا سأكلّمه في هذا الموضوع. ولا أريدكِ أن تردّي عليه مرة أخرى، فهمتِ؟"
"حاضر، أستاذ."
خرجتُ من مكتبه، وقلبي يدقّ بسرعة. كيف وصل إلى رقمي؟ في المعهد، الأرقام محفوظة في سجلات الإدارة. لا يمكن لأي طالب أن يصل إليها. إلا... إلا إذا كان أحدهم قد أعطاه إياه. أو إذا كان قد رآني أكتبه في مكان ما. أو إذا كان قد بحث عني.
مشيتُ في الممرّ، وكان رأسي يدور. كنتُ أحاول أن أتذكّر إذا كنتُ قد التقيتُ به في أي مكان من قبل. هل رأيتُه في حفلة؟ في درس؟ في الشارع؟ لا. لم أره قبل أمس. "رهف!"
التفتُّ. كانت ميرا تركض نحوي، وشعرها الأسود الطويل يتطاير وراءها. "ميرا، أنا—"
"سمعتِ الخبر؟"
"أي خبر؟"
"المنحة!" تجمّد قلبي. "شو فيها؟"
"بدلوا الموعد. تجربة الأداء صارت بعد أسبوعين، مش شهر."
"شو؟!"
"إيه والله. الإعلان معلّق على لوحة الأخبار. روحي شوفي." ركضتُ إلى لوحة الأخبار في صالة المعهد. كان هناك مجموعة من الطلاب يتزاحمون أمامها. شققتُ طريقي بينهم، ووقفتُ أمام الإعلان.
إعلان هام
تم تقديم موعد تجربة أداء المنحة الدراسية للعام القادم إلى يوم 28 من الشهر الجاري، بدلاً من الموعد السابق. على جميع المرشحين الاستعداد للموعد الجديد.
إدارة المعهد.
أسبوعان. أسبوعان فقط. شعرتُ بالدوار. أمسكتُ بطرف اللوحة لئلا أقع. "رهف، هل أنتِ بخير؟"
كان صوت ميرا قريباً، لكنه بدا بعيداً. "أنا..."
"رهف." صوت آخر. هادئ. مألوف. التفتُّ. كان كريم يقف خلفي. كان يحمل كوباً من القهوة، وعلى وجهه ابتسامة قلقة. "هل أنتِ بخير؟ بدوتِ شاحبة."
"أنا بخير."
"خذي. اشربي ماء." أخرج من حقيبته زجاجة ماء صغيرة، وفتحها، وقدّمها لي. ترددتُ. ميرا كانت تنظر إليه بعينين ضيقتين. عرفتُ أنها على وشك أن تتدخل، فأخذتُ الزجاجة بسرعة. "شكراً."
شربتُ رشفة. "الموعد تقدّم،" قال كريم بهدوء. "هذا صعب على الجميع. أنتِ من المرشّحين، صحيح؟"
"نعم."
"وأنا أيضاً." نظرتُ إليه. "أنت مرشّح؟"
"نعم. هذا سبب انتقالي إلى هذا المعهد. كنتُ في معهد دمشق، لكن الأوضاع... على كل حال، انتقلتُ هنا قبل شهر. والأستاذ زهير قبل أن يرشّحني للمنحة."
أسبوعان. ومنافس جديد. شعرتُ كأن الأرض تنزلق من تحت قدميّ. "حظاً موفّقاً،" قلتُ بصوت خفيض. "ولكِ أيضاً."
ابتعدتُ مع ميرا. كانت تمشي بسرعة، وهي تجرّني من يدي. "رهف، أنا قلت لكِ. هذا الشاب فيه شي مش طبيعي."
"ميرا، الآن المشكلة هي المنحة. أسبوعان. كيف سأكون جاهزة؟"
"رهف، اسمعيني. الموعد ما تقدّم بالصدفة. الإدارة ما بتغير المواعيد هيك. شي صار."
"أي شي؟"
"ما أعرف. بس مش طبيعي. وهذا الشاب يطلع مرشّح بعد ما اتصل فيكِ البارحة؟ كأنه يبني علاقة معكِ قبل المنافسة."
نظرتُ إليها. "ميرا، أنتِ تبالغين."
"رهف."
"خلصي. أنا لازم أروح أتمرّن." تركتها واقفة وسط الممرّ، وذهبتُ إلى غرفة التمارين. لكنني لم أستطع أن أعزف. كان رأسي يدور. الأسئلة كثيرة. والوقت قليل. وفي خلفية كل شيء، كانت ابتسامة كريم تطفو أمام عينيّ. ابتسامة هادئة، مهذّبة. وغير طبيعية بطريقة لا أستطيع أن أصفها.
في طريق العودة إلى البيت، توقفتُ عند بقّالة العم سليم لأشتري بعض الخبز. كان الشارع هادئاً نسبياً، الشمس بدأت تميل نحو المغيب. دخلتُ. اخترتُ ربطة خبز، ووضعتُها على الكاونتر. "كيف حالكِ، يا بنتي؟" قال العم سليم بابتسامته المعتادة. "الحمد لله، عمّو."
"أمكِ كيف؟"
"تسلّم عليكِ." دفعتُ الحساب، وخرجتُ من المحل. ثم توقفتُ. شيءٌ شدّ انتباهي.
عند الزاوية المقابلة، تحت ضوء العمود الكهربائي، وقف شخص. لم يكن واضحاً تماماً، لكنني رأيتُ ملامحه. كريم. كان ينظر إلى هاتفه، كأنه ينتظر شخصاً. ثم رفع رأسه. ورآني. ابتسم. وأشار بيده يسلّم عليّ من بعيد. تجمّدتُ في مكاني. البقّالة... بيتي... بين بيتي والمعهد مسافة طويلة. ما الذي يفعله هنا، في حيّنا، في هذا الوقت من المساء؟ أدرتُ ظهري بسرعة، ومشيتُ في الاتجاه المعاكس، رغم أن بيتي في الاتجاه الذي كان يقف فيه.
كنتُ أعرف. كنتُ أعرف الآن. لم تكن الأرقام صدفة. ولا الاتصال صدفة. ولا الموعد المتقدّم صدفة. ولا وقوفه أمام بقّالة حيّنا صدفة. شيءٌ يحدث. شيءٌ بدأ منذ أن نظرتُ في عينيه أول مرة. وأنا لا أعرف بعد إلى أين سيأخذني.
الفصل الرابع
ثلاثة أيام مرّت. ثلاثة أيام وأنا أحاول أن أقنع نفسي بأن ما رأيتُه عند البقّالة كان صدفة. ربما كان كريم يبحث عن بيت في الحيّ. ربما عنده قريب يسكن هنا. ربما... ربما... ألف "ربما" أردّدها في رأسي حتى أنام. لكنّ النوم لم يكن يأتي.
في كل ليلة، أجلس أمام العود حتى الفجر. أعزف، وأعيد، وأعزف. أصابعي صارت قاسية، والجلد تشقّق على أطرافها. أمي توقفت عن سؤالي إذا كنتُ قد أكلتُ. صارت تضع طبق الطعام بجواري على الأرض في الغرفة، وتغلق الباب وراءها.
اليوم، صباح الخميس، استيقظتُ متأخرة. كنتُ قد نمتُ ثلاث ساعات فقط. وحين فتحتُ عيني، كانت الشمس قد ارتفعت، وصوت أمي يصلني من المطبخ. "رهف، عندكِ زائر."
رفعتُ رأسي. "زائر؟"
"إيه. شاب من المعهد. اسمه كريم." تجمّد كل شيء فيّ. "يما، شو؟"
"شو فيكِ؟ نزلي شوفي. هو واقف عند الباب." نزلتُ بسرعة، شعري ما زال مشعّثاً، وقميصي الذي نمتُ به لا يزال عليّ. وقفتُ على الدرج، ونظرتُ نحو الباب. كريم كان يقف هناك، خلف أمي، يحمل علبة صغيرة من الحلويات. "صباح الخير، رهف."
أمي التفتت إليّ، وعلى وجهها ابتسامة مرتاحة. "هذا الشاب جاب لكِ نوتات الأستاذ زهير. قال إنكِ نسيتيها بالأمس في المعهد." نوتات؟ أنا لم أنسَ شيئاً. "يما، اتركينا قليلاً."
"رهف، تكلّمي بأدب. الشاب—"
"يما، أرجوكِ." نظرت إليّ أمي نظرة طويلة، ثم انسحبت إلى المطبخ. اقتربتُ من كريم. خفضتُ صوتي. "كيف عرفتَ أين أسكن؟"
ابتسم. "الأستاذ زهير. أعطاني العنوان مع النوتات."
"الأستاذ زهير قال لي إنه لم يعطك رقمي. والآن يعطيك عنواني؟" ابتسامته لم تتغيّر. "رهف، أنا لا أفهم لماذا تشكّين بي. أنا فقط أحاول أن أكون لطيفاً."
"اسمع، كريم. أنا لا أعرفك. ولا أريد أن أعرفك. أرجوك ابتعد عني." أخرج من جيبه ورقة، ووضعها في يدي. "خذي. هذه نوتات المقطوعة التي ستعزفينها في تجربة الأداء. صحيح؟"
نظرتُ إلى الورقة. كانت نوتات مقطوعة "سماعي بياتي" للقصبجي. المقطوعة التي اخترتُها لتجربة الأداء. المقطوعة التي لم أخبر بها أحداً سوى الأستاذ زهير. رفعتُ عيني إليه. كانت ابتسامته ما زالت في مكانها. "كيف عرفتَ؟"
"رهف، نحن في معهد صغير. الأخبار تنتشر."
"هذا ليس خبراً. هذا اختياري الشخصي. لم أخبر به أحداً."
"ربما الأستاذ ذكرها أمامي."
"الأستاذ زهير لا يتكلّم عن طلابه أمام بعضهم." صمت. ثم قال، بصوت أكثر هدوءاً: "رهف، أنتِ متوتّرة. أفهم ذلك. التجربة بعد عشرة أيام. لو احتجتِ أي مساعدة—"
"اخرج من بيتي."
"رهف—"
"اخرج." ابتسامته بدأت تتلاشى. للمرة الأولى، رأيتُ شيئاً مختلفاً في عينيه. شيءٌ كان مخفياً تحت تلك الطبقة المهذّبة. لم يكن غضباً بالضبط. كان شيئاً... أبرد. ثم عادت الابتسامة. "حاضر. آسف إن كنتُ قد أزعجتكِ. أتمنى لكِ التوفيق في التجربة."
التفت، ومشى ببطء نحو الشارع. لم يلتفت ورائه ولا مرة. أغلقتُ الباب. استندتُ إلى الجدار، وأخذتُ نفساً عميقاً. كانت يداي ترتعشان. "رهف؟" أمي خرجت من المطبخ، وعلى وجهها قلق. "شو صار؟ ليش طردتيه؟"
"يما، هذا الشاب يلاحقني."
"يلاحقكِ؟ شو يعني يلاحقكِ؟"
"يعرف أشياء عني لا يجب أن يعرفها. يعرف رقمي، وعنواني، وحتى المقطوعة التي سأعزفها في التجربة."
أمي صمتت لحظة. ثم قالت: "يما، الشاب جابلكِ هدية، ووصّل لكِ نوتات. ليش تفسّري كل شي بطريقة سيّئة؟"
"يما، أنتِ ما فاهمة—"
"رهف، عمركِ تسعة عشر سنة. ولا مرّة طلع معكِ شب. ولا مرة فكّرتي بإنسان غير العود. أنا قلقانة عليكِ، يا بنتي. مش طبيعي إنكِ تعيشي هيك." نظرتُ إليها. "يما، أنا لا أتكلّم عن الزواج. أنا أتكلّم عن شخص غريب يلاحقني."
"ربما هو معجب فيكِ، ومش عارف كيف يعبّر."
"يما!"
"خلصي. روحي تتمرّني. وفكّري شوي قبل ما ترفضي كل شي." دخلت إلى المطبخ، تاركة إياي وحدي في الصالة. نظرتُ إلى ورقة النوتات في يدي. ثم انتبهتُ. في زاوية الورقة، كان هناك خط صغير بالقلم الأحمر. اقتربتُ. كان كريم قد كتب رقماً صغيراً. أرقام وحروف. لم أفهمها للحظة. ثم فهمت. كانت إحداثيات. إحداثيات مكان.
الفصل الخامس
أمضيتُ اليوم كله أحاول أن أتجاهل الإحداثيات. ذهبتُ إلى المعهد. تمرّنتُ. عدتُ إلى البيت. عزفتُ. أكلتُ نصف صحن. نمتُ. لكن في الليل، استيقظتُ في الثالثة فجراً، ووجدتُ نفسي أكتب الإحداثيات في الخريطة على هاتفي. كان المكان قريباً. شارع جانبي في حيّ الجميزة. لا يبعد عن بيتي أكثر من خمسة عشر دقيقة سيراً. ماذا يريد منّي؟ لماذا يلعب هذه اللعبة؟
أغلقتُ الهاتف. حاولتُ أن أنام. لم أستطع. في الصباح، ذهبتُ إلى المعهد. كان كريم هناك، يتمرّن في غرفة الكمان. حين رآني، ابتسم، ولوّح لي بهدوء، كأن شيئاً لم يحدث. لم أردّ. اقتربتُ من الأستاذ زهير في الاستراحة. "أستاذ، أحتاج أن أكلّمك."
"تفضّلي، يا رهف."
"كريم العلي جاء إلى بيتي البارحة." تجمّد الأستاذ زهير. "شو؟"
"قال إنك أعطيتَه عنواني، مع نوتات." نهض من على الكرسي. "رهف، أنا لم أعطه أي شيء. لا رقم، ولا عنوان، ولا نوتات. وأنا تكلّمتُ معه يوم الاثنين، وحذّرته من أن يقترب منكِ مرة أخرى."
شعرتُ كأن الهواء قد سُحب من رئتيّ. "إذن كيف..."
"رهف، اسمعيني. هذا الشاب لديه مشكلة. أنا اتصلتُ بمعهد دمشق للاستفسار عنه بعد ما كلّمتيني المرة الماضية. قالوا لي إنه لم يكن طالباً عندهم بأي شكل."
"شو؟!"
"الأوراق التي قدّمها للمعهد مزوّرة. أنا اكتشفتُ هذا البارحة، وكنتُ سأبلّغ الإدارة اليوم. هو ليس مسجلاً في أي معهد موسيقي في سوريا."
"إذن... مَن هو؟"
"لا أعرف. ولكن الإدارة ستتولى الأمر. أنا لا أريدكِ أن تقتربي منه. هل فهمتِ؟"
"حاضر، أستاذ." خرجتُ من مكتبه، وقلبي يضرب بقوة. من هو كريم؟ ولماذا يلاحقني أنا تحديداً؟
في طريق العودة إلى البيت، توقفتُ في الشارع. أخرجتُ الورقة من جيبي. ونظرتُ إلى الإحداثيات. شيءٌ في داخلي قال لي: اذهبي. شيءٌ آخر قال: اهربي. اخترتُ الأول. لا أعرف لماذا. ربما لأنني كنتُ متعبة من الخوف. ربما لأنني أردتُ أن أعرف الحقيقة. ربما لأنني، في عمق ما، كنتُ أعرف أن الهروب لم يعد ممكناً. سرتُ نحو حيّ الجميزة. الإحداثيات كانت تشير إلى زاوية شارع صغير، خلف ورشة نجارة قديمة. وصلتُ هناك في حوالي الرابعة عصراً. الشمس بدأت تميل. الشارع كان فارغاً تقريباً. ولم يكن هناك أحد. وقفتُ في الزاوية، أنظر حولي. ربما تأخّرتُ. ربما كان قد رحل. ثم سمعتُ صوتاً خلفي.
"جئتِ." التفتُّ. كان كريم يقف على بعد خطوات. كان يرتدي قميصاً أسود هذه المرة، وبيده زجاجة ماء.
"ماذا تريد منّي؟" ابتسم. "رهف، اهدئي. لن أؤذيكِ."
"الأستاذ زهير يعرف. أوراقك مزوّرة. أنتَ لستَ طالباً." ابتسامته اتسعت. "أعرف. سيكتشفون الكثير في الأيام القادمة."
اقترب خطوة. تراجعتُ. "ابتعد عني."
"رهف، اسمعيني. أنا لستُ هنا لأؤذيكِ. أنا هنا لأنني..." توقّف. للمرة الأولى، بدا غير متأكد من كلامه. "لأنك ماذا؟"
"لأنني أعرف من قتل أباكِ." سقط شيءٌ في داخلي. "شو؟"
"أبوكِ، عماد نصّار. مات قبل ثلاث سنوات في حادث سيارة، صحيح؟" "إيه."
"لم يكن حادثاً." شعرتُ بالأرض تدور تحت قدميّ. "شو تقول؟"
"أبوكِ كان يعمل محاسباً في شركة الجلبي للاستيراد. اكتشف عمليات تهريب. كان سيبلّغ. فدبّروا له الحادث."
"أنت تكذب."
"الجلبي. الاسم يعني لكِ شيئاً؟" كان قلبي يضرب بسرعة جنونية. الجلبي. سمعتُ هذا الاسم في طفولتي. أبي كان يذكره أحياناً في المساء، حين يجلس مع أمي ويهمس. كنتُ صغيرة، لم أفهم. "كيف تعرف هذا؟"
"لأنني ابنه." تجمّدُت. "شو؟"
"أنا كريم الجلبي. ابن نزار الجلبي. الرجل الذي قتل أباكِ." نظرتُ إليه. لم أستطع أن أتكلّم.
"أبي مات قبل سنة. كنتُ أعيش في الإمارات معه. حين مات، فتحتُ ملفاته. وجدتُ كل شي. الشركة، التهريب، الأشخاص الذين قُتلوا. وجدتُ اسم أبيكِ. ووجدتُ صورتكِ."
"صورتي؟"
"أبي كان يحتفظ بصور كل عائلات الذين قتلهم. كأنها... تذكارات. لا أعرف لماذا. ربما كان مريضاً. حين رأيتُ صورتكِ، رأيتُ بنتاً تشبه أختي التي ماتت صغيرة. شعرتُ بشيء... لا أستطيع شرحه."
"إذن جئتَ لتقول لي هذا؟"
"جئتُ لأعوّضكِ."
"تعوّضني؟"
"أعرف أنكِ ووالدتكِ تعيشان بصعوبة. أعرف أن المنحة هي طوق نجاتكِ. أعرف كل شيء عنكِ، رهف. تابعتُكِ منذ شهرين. ودخلتُ المعهد لأقترب منكِ."
"يا الله..."
"أنا قدّمتُ ترشيحاً للمنحة لكي أنسحب قبل التجربة، وتأخذيها أنتِ. ودبّرتُ تقديم الموعد لأن لجنة التحكيم ستتغيّر، واللجنة الجديدة فيها صديق لي سيضمن لكِ الفوز. ومعي مبلغ من المال، إرث أبي، أريد أن أعطيكِ نصفه."
نظرتُ إليه. كنتُ أحاول أن أفهم. كل ما قاله. كل ما عرفته الآن عن أبي. الذي ماتَ مظلوماً ولم نعرف. "أنت..."
"أنا أعرف، رهف. أعرف أن هذا صعب. لكنني أردتُ أن أصلح ما فعله أبي." اقترب خطوة أخرى. ولأول مرة منذ التقيتُه، رأيتُ في عينيه شيئاً صادقاً. تعب. ندم. "كريم، أنا..." كنتُ سأقول شيئاً. لا أعرف ماذا. ربما "شكراً". ربما "اغرب عن وجهي". ربما "كيف أصدّقك".
لكنني لم أقل شيئاً. لأن صوت السيارة جاء أولاً. سيارة سوداء. سرعتها عالية. خرجت من زاوية الشارع. ورأيتُ وجه السائق. رجل لا أعرفه. وجهه قاسٍ. عيناه باردتان. ورأيتُ شيئاً يلمع في يده. كريم رآها قبلي. دفعني. دفعني بقوة إلى الجانب، فسقطتُ على الرصيف.
سمعتُ الطلقات. ثلاث طلقات. ثم صوت إطارات السيارة تنطلق. ثم صمت. رفعتُ رأسي. كان كريم ممدّداً على الأرض. الدم ينتشر تحته. زجاجة الماء كانت قد سوقطت من يده، وتدحرجت إلى جانبه. "كريم!" زحفتُ إليه. وضعتُ رأسه على ركبتي. كانت عيناه مفتوحتين، لكنه لم يكن يراني تماماً.
"رهف..."
"كريم، صامد. أنا سأتصل بالإسعاف. صامد."
"أبي... كان عنده... أعداء..."
"اسكت. لا تتكلّم."
"رهف..." أمسك بيدي. كانت يده باردة. "المال... في حقيبتي... في البيت... شارع... شارع جور..."
"كريم، لا تموت. أرجوك."
"رهف... سامحيني..." ثم سكت. عيناه ظلّتا مفتوحتين. لكنه لم يكن هناك.
جلستُ في الشارع، ورأسه على ركبتي، لنصف ساعة قبل أن يأتي أحد. لم أبكِ. لم أصرخ. كنتُ فقط أنظر إلى وجهه. هذا الوجه الذي ابتسم لي قبل أربعة أيام عند مدخل المعهد. هذا الوجه الذي أرعبني. هذا الوجه الذي أنقذني. حين جاءت الشرطة، أخذوني. سألوني. أجبتُ بصوت آلي. أخبرتُهم بكل شيء. حتى عن أبي.
في الأخبار، في اليوم التالي، كان العنوان: "مقتل شاب أمام عائلة بيروتية بسبب تصفيات بين عصابات تهريب." لم يذكروا اسمه. لم يذكروا أنه أراد أن يصلح شيئاً. لم يذكروا أنه أنقذني.
النهاية
عدتُ إلى البيت في المساء. أمي كانت تنتظرني. حين رأت وجهي، فهمت. لم تقل شيئاً. صعدتُ إلى غرفتي. أخرجتُ العود من علبته. ونظرتُ إليه طويلاً. ثم وضعتُه على الرفّ. ولم ألمسه مرة أخرى.
في كثير من الأيام، أمشي في شارع الجميزة. أمرّ بتلك الزاوية. أقف. أنظر إلى الأرض. لا يوجد أثر للدم. غسلوه منذ زمن. لا يوجد أثر له. لا أحد يعرف أنه مات هناك. أحياناً أتساءل: هل كان يكذب؟ هل كل ما قاله عن أبي كان حقيقة؟ أم كان فخّاً آخر، طريقة أخرى ليصل إليّ؟ لا أعرف. ولن أعرف أبداً. ذهبتُ مرة إلى شارع جور. كان هناك بيت صغير. لم أدخل. وقفتُ أمامه طويلاً، ثم رحلت. ربما الحقيبة كانت هناك. ربما المال كان فيها. ربما كنتُ سأنقذ أمي من الديون. لكنني لم أستطع. لأنني لا أريد أي شيء منه. لا أريد ماله. ولا اعتذاره. ولا أن أعرف الحقيقة. أريد فقط أن أنسى عينيه. وأنا لا أنسى.
أمي توفّيت بعد سنتين. الديون أكلت ما تبقّى لنا. بعتُ البيت. سكنتُ في غرفة صغيرة في منطقة الأشرفية. عملتُ في متجر للأدوات الموسيقية، أبيع للناس آلات لم أعد أعزف عليها. في كل يوم، أرى عوداً جديداً يخرج من المتجر بين يدي زبون. وأبتسم. وأقول له: "اعتنِ به." ولا أتكلّم عن شيء آخر.
لأنّ أبشع الأيام، كما قلتُ في البداية، تبدأ كأي يوم عادي. أنا استيقظتُ ذلك الصباح، وفي رأسي كانت تجربة الأداء، والمنحة، والعود. ولم أكن أعرف. لم أكن أعرف أنني سأخسر كل شيء في أربعة أيام. ولم أكن أعرف أن الرجل الذي خفتُ منه، كان آخر شخص حاول أن يحميني في هذه الدنيا.
انتهت.
الآراء والتعليقات