دخول منزل الفقيه
ولجنا من ذلك الباب القديم المحاط بأشجار الزيتون. كانت الغرفة التي أدخلتنا إليها العجوز صغيرة، مضاءة بمصابيح نفطية خافتة تلقي ظلالاً متراقصة على الجدران. كانت تملؤها روائح أعشاب لم أعرف اسمها، وصدى صمت مقلق. جلس والداي وتلك السيدة في الزاوية، بينما وضعوني على حصير في وسط الغرفة.
ظللنا ننتظر ما يقارب ساعة، لم تتكلم فيها العجوز ولم تتكلم أنا. كانت فقط تنظر إليّ بعيون ضيقة وابتسامة لا أفهمها. ثم فتح باب في الجانب الآخر من الغرفة ببطء شديد، وظهر شيخ طاعن في السن، طويل القامة، يرتدي جلباباً أبيض، وعمامة بيضاء، وله لحية بيضاء طويلة. كانت عيناه عميقتين جداً، كأنهما تريان ما لا يراه الآخرون.
الفقيه الميموني
اقترب مني الفقيه الميموني ببطء ودون أن يقول كلمة. جلس أمامي وبقي يحدق فيّ لدقائق طويلة. ثم ابتسم وقال بصوت هادئ وعميق: "لا تخف يا ولدي، أنا أراهم حولك، لكنهم لن يؤذوك الليلة." اقشعر بدني كله عند سماع هذه الكلمات.
التفت إلى والديّ وقال: "ابنكم ليس مريضاً، وليس مصاباً بصدمة. إنه طفل زوهري من الدرجة الأولى. هذا النوع نادر جداً، والجن يعرفون هؤلاء الأطفال، يحاولون التواصل معهم منذ الصغر، إما لاستخدامهم أو لحمايتهم. ما أصاب ابنكم هو أن جنياً حاول التواصل معه في تلك الليلة ففزعه، وتسبب في هذه الحالة."
نظر إليه والدي باستغراب وقال: "وكيف تعالج ذلك؟" فأجابه الفقيه: "لا أعالجه، أنا فقط أتوسط. أفتح باب الكلام بين ما هو غائب وما هو حاضر."
جلسة الطرد
طلب منا الفقيه أن نخرج جميعاً من الغرفة إلا أنا. حاول والدي الاعتراض لكن الفقيه قال له بهدوء: "هذا ليس اختياراً. ما سيجري هنا لا يصلح أن تراه عيون كثيرة." خرجوا ببطء، وأغلق الباب خلفهم.
بدأ الفقيه يقرأ بصوت خفيض، لم أستطع تمييز الكلمات لكنني شعرت بكل مقطع يخرج من فمه وكأنه يرتطم في الهواء من حولي. بعد فترة، أحرق بعض الأعشاب في وعاء نحاسي صغير. انتشر دخان أبيض كثيف في الغرفة وبدأت عيناي تدمعان.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
الصوت الآخر
فتحت فمي بعد سنة كاملة من الصمت وقلت: "أنا لا أريد الذهاب!"
لم أكن أتحدث من تلقاء نفسي. لم تكن هذه كلماتي. كان الصوت يخرج من حنجرتي لكنه لم يكن صوتي. صمت الفقيه وقال بنبرة ثابتة: "أعرف أنك لا تريد، لكن هذا ليس مكانك. هذا الولد له طريقه، وأنت لا تنتمي إليه."
سمعت نفسي أقول بصوت غريب أجش: "أنا حارسه منذ ولادته."
فأجابه الفقيه دون أن يرتجف: "لا. أنت خفت عليه فأضررت به. من يحمي بالخوف لا يحمي، يسجن."
صمت طويل. ثم قال الفقيه بنبرة أخيرة: "اذهب. وإن كنت تحبه حقاً، لن تعود."
اللحظة التي تغير فيها كل شيء
بعد ذلك الصمت، أحسست بشيء يتصاعد من صدري ببطء، مثل دخان بارد يتسرب عبر أضلاعي. ثم، في لحظة واحدة، شعرت جسدي يخف فجأة بشكل لا يوصف، كأن وزناً كان يجثم على كتفيّ منذ عام كامل قد رُفع دفعة واحدة.
دخل والداي بعد أن سمعا صوتي يخرج من الغرفة. رأيت والدتي تقف عند الباب وعيناها مليئتان بالدموع. قالت بصوت متكسر: "ولدي؟ أنت بخير؟" أجبتها لأول مرة في سنة: "أنا بخير يا ماما."
لا أستطيع أن أصف لكم لحظة ذلك العناق. كانت والدتي تبكي وتضحك في نفس الوقت، ووالدي وقف في الزاوية يمسح عينيه بصمت.
وصية الفقيه والعودة
قال لنا الفقيه: "سيحتاج بعض الوقت حتى يعود كل شيء إلى طبيعته. أعطوه هذه الأعشاب في الماء الدافئ كل يوم لمدة أسبوع. وعندما تعودون إلى البيت، افتحوا النوافذ واتركوا الهواء يدخل."
خرجنا من منزل الفقيه قبيل الفجر. وخلافاً لرحلة الذهاب، لم يكن هناك أي خيال يتبعنا في الطريق. كانت الأرض تحت أقدامنا هادئة، والسماء تتلون بالرمادي الباهت قبيل بزوغ النور.
في السيارة، نظرت من النافذة وقلت لوالدتي: "الخيال ذهب." فنظرت إليّ ثم نظرت للخارج وقالت بهدوء: "نعم يا ولدي. ذهب."
الخاتمة
مرت الأيام، وتعافيت تدريجياً. أكلت بنفسي، وقمت بنفسي، ونمت بلا كوابيس. بعد سبعة أيام تماماً، كنت كأن شيئاً لم يكن.
لكن الأحلام لم تتوقف نهائياً. لا أزال أحياناً أرى أشياء قبل أن تقع. فقط أصبحت أكثر وضوحاً، وأقل رعباً. كأن ذلك الجني الذي أسماه الفقيه "حارسي" كان يكتم الرؤية ويعيق طاقتها، لا يطلقها.
أما الفقيه الميموني، فلم أعد إليه قط. وعندما حاولت والدتي إيجاد تلك القرية مرة أخرى بعد سنوات، قيل لها إن ذلك المنزل خراب منذ أمد بعيد، وأن الفقيه لا أحد يعرف له أثراً.
لا أعرف إن كان كل ما حدث حقيقياً أم لا. لكنني أعرف شيئاً واحداً: منذ تلك الليلة في الحسيمة، لم يعد الظلام يخيفني كما كان.
— نهاية القصة —
الآراء والتعليقات