العودة للرئيسية

📂 تصنيف: رعب الكهوف واللعنات  ·  ١٥ دقيقة

الحفرة العمياء: لعنة الكهف والعهد القديم

بقلم أرشيف الحكايات  ·  جديد

0 مشاهدة
تقييم القصة:
الحفرة العمياء: لعنة الكهف والعهد القديم

منذ أن كنت طفلًا، لم تكن الكهوف تخيفني.

كنت أقول إن الظلام صديق من طفولتي، وإن الصمت تحت الأرض أرحم من ضجيج الناس فوقها.

لكنّ هناك كَهفًا واحدًا فقط علّمني أن الأرض يمكن أن تفتح فمها لتبتلع أكثر من الأجساد… تبتلع الأرواح أيضًا.

أنا شاب مغربي، انتقلت مع عائلتي إلى فلوريدا وأنا في السادسة من عمري. أبي كان يعمل مع مجموعة من مستكشفي الكهوف، ومع الوقت صرت جزءًا من هذا العالم؛ حبال، خوذات، أضواء، وخرائط مرسومة بخطوط مرتعشة على ورق مبلّل بالطين.

لكن قبل أن أعرف معنى كلمة "استكشاف"، كان هناك شيء آخر يرافق طفولتي: حلم يتكرر.

الحلم

يبدأ دائمًا بالطريقة نفسها.

أجد نفسي في كهف ضيق، الهواء فيه ثقيل كأنه ماء راكد، والجدران قريبة من وجهي حتى أشعر بأن الصخر يسمع أنفاسي. أمامي فتحة صغيرة في الأرض، لا تكفي إلا لجسد طفل. أنزلق عبرها بصعوبة، فأهبط إلى ممر قصير، طوله عشرة أو خمسة عشر قدمًا، عرضه يكفي لشخص واحد ينحني كي يمر.

في نهاية الممر، كان هناك دائمًا انعطاف إلى اليسار… وعند الزاوية، قطعة معدنية حمراء منحنية، كأنها الجزء السفلي من لافتة "توقف" قُطِعت من منتصفها ورُمِيَت هنا. لا أعرف كيف وصلت قطعة من شارع إلى بطن الأرض، لكنني في الحلم لم أكن أسأل. كنت فقط أتابع السير وأنا أعرف أن ما بعد المنعطف ليس لي.

بعد الانعطاف، ينحني الممر إلى الأسفل، ويتحوّل فجأة إلى غرفة عمودية ضخمة.

كأن الأرض كانت بئرًا، لكن الجدار من الداخل ملتف على نفسه في شكل حلزوني، ينزل إلى القاع. هناك قمامة ملتصقة بالجدران؛ علب صدئة، قطعة قماش متعفنة، حذاء طفل واحد بلا رفيق.

وفي الأسفل… كانت هناك أشكال. ليست بشرًا تمامًا، وليست حيوانات تمامًا. فقط كتل سوداء تتحرك ببطء، تلتف حول شيءٍ أعرفه ولا أجرؤ أن أراه.

ثم كانت تأتي اللحظة الأسوأ: أرى عائلتي هناك في القاع.

أبي، أمي، إخوتي. كل واحد منهم مربوط إلى واحدة من تلك الكتل السوداء، يتلوى ويتعذب. أسمع صرخاتهم مكتومة، كأنها تأتي من تحت الماء. أمد يدي فلا تصل، أفتح فمي فلا تخرج كلمة واحدة.

وفي اللحظة التي تبدأ فيها تلك الكتل في رفع رؤوسها نحوي، في اللحظة التي أشعر فيها أن شيئًا ما صعد إلى حيث أقف واصطدم ببصري مباشرة… أستيقظ. لا أفيق كمن يخرج من كابوس عادي، بل كمن أُمسِكَ من عنقه وطُرِد دفعًا من حلم ليست له فيه دعوة.

كان هذا الحلم يزورني مرتين أو ثلاثًا في السنة، بنفس التفاصيل، حتى بلغت الخامسة عشرة. ثم توقف فجأة.

الحفرة العمياء

في أحد الأيام، قال أبي إنه سيأخذني مع مجموعة من أصدقائه لاستكشاف سلسلة كهوف جديدة في غابة بعيدة عن المدينة.

واحد من تلك الكهوف كان يسمونه بين أنفسهم "الحفرة العمياء". لم يكن لها اسم رسمي على الخرائط، فقط دائرة صغيرة على ورق قديم، مكتوب بجانبها بالقلم الرصاص: اقتراب بحذر.

وصلنا قُبيل الغروب.

كانت فتحة الكهف ليست أكثر من ثقب في الأرض، محاطًا بالأشجار والجذور اليابسة.

جهزنا الحبال، وربط أبي أول عقدة، ونزل واحد من أصدقائه ليتفقد القاع. وقفنا ننتظر أن ينادي.

كل شيء كان عاديًا… حتى اقتربتُ أنا من الحافة.

هناك، عند طرف الفتحة، رأيت شيئًا جعل قدميّ تتجمدان في مكانهما؛ حجر صغير من الداخل مائل إلى السواد، منقوش عليه بخط رقيق كلمة إنجليزية واحدة: "STOP".

كان جزءًا من لافتة مكسورة، مطمورة في الطين… وبجانبها، ممر ضيق ينحني إلى اليسار.

نفس اللفة. نفس عرض الممر. نفس الإحساس بأن الهواء هنا لا يدخل الرئتين بل يلتف حول القلب مباشرة.

سمعت أبي يناديني من الخلف، لكن صوته جاء بعيدًا جدًا، كأنه ينادي من سطح بحر وأنا في القاع.

لم أرد. كنت مشغولًا بما شعرت به في تلك اللحظة: خوف ليس من المكان، بل من الفكرة أن هذا المكان… كان ينتظرني.

النزول

نزلت بالحبل رغمًا عني. كلما هبطت أكثر، صار الحبل أبرد، كأن يدًا من حجر تلمسه معنا.

عندما لامست قدمي أرض الممر، شعرت أن الحلم عاد، لكن هذه المرة بدون استيقاظ مضمون.

– "كل شي تمام؟"

كان صوت أخي خلفي. لم ألتفت. قلت له بصوت جاف:

– "لا تجي قريب… خليك عند الحبل."

تقدمت خطوة، ثم ثانية.

في نهاية الممر، كان الانعطاف إلى اليسار، كما في الحلم.

الفرق الوحيد أن قطعة اللافتة هذه المرة كانت كاملة تقريبًا، فقط الجزء العلوي منها مفقود. وكأن الحلم كل تلك السنوات كان يظهر لي ما سيتبقى بعد أن يأخذ المكان نصيبه.

انعطفت.

الممر بدأ ينزل. رأيت حافة الفراغ.

الغرفة العمودية كانت هناك فعلًا، واسعة، عميقة، الجدران تدور كحلزون، وكلما نظرت إلى الأسفل التوى بصري، وكأن المشهد يرفض أن يبقى مستقيمًا في عينيّ.

الأسماء

لكن لم تكن هناك قمامة هذه المرة.

كان هناك شيء آخر ملتصق بالجدران: أسماء.

أسماء محفورة بخطوط مسنّنة، بعضها بالإنجليزية، بعضها بحروف عربية، وبعضها بأرقام غريبة لا تشبه شيئًا من هذا العالم.

اقتربت من واحد منها، قرأته بصعوبة… كان اسم عائلتي.

اسم أبي.

اسم أمي.

اسمي أنا، محفورًا وهو لم يُنطَق بعد. تحت كل اسم، تاريخ. بعضها مضى، وبعضها لم يأتِ بعد.

من أسفل الحفرة، صعدت همسات.

لم تكن باللغة التي يتكلم بها رفاق أبي الأمريكيون، ولا بإنجليزية المدرسة؛ كانت دارجة مغربية صافية، لكن الصوت لم يكن صوت بشر. قال لي:

– "تأخرت."

العهد القديم

في تلك اللحظة، شعرت أن شيئًا يتسلل إلى رأسي، يفتح فيه بابًا قديمًا. رأيت في ومضة قصيرة جدّي في المغرب، وهو يهمس لأبي ليلًا، يتداولان عن عهد قديم… عن دم يجب أن يُسلَّم بعيدًا عن أرضهم، في مكان لا تعرفه القبيلة ولا الإمام.

فهمت فجأة:

الحلم لم يكن حلمًا، بل استدعاء.

والكهف لم يكن صدفة في فلوريدا؛ كان فمًا آخر لنقطة قديمة، بابًا لعالم لم أكن أريد أن أكون قريبًا منه.

– "اطلع!"

صرخ أخي من خلفي، لكن صوته هذه المرة جاء من داخل رأسي، مختلطًا بالهمسات.

أمسكت بالحبل لأصعد، لكن يدي لم تجد سوى الصخر. الحبل الذي نزلت به قبل دقائق لم يعد.

التفتُّ، فلم أجد الممر خلفي.

لم يبق إلا الفراغ أمامي، والجدار الذي عليه أسماؤنا، وحافة الدرج الحلزوني التي تنزل إلى الأسفل، إلى حيث الغرفة التي رأيتها في كل أحلامي.

سمعتُ صوتًا آخر، يشبه صوت أمي وهي تبكي يوم رحلنا عن المغرب، لكنه مكسور وممتد، كأنه يخرج من حلق مليء بالغبار:

– "لا تخَلّينا هنا وحدنا…"

التضحية

كانت الأشكال في قاع الغرفة تتحرك.

لم أرها بوضوح، لكنني عرفت أنّ كل خطوة إلى الوراء تعني أن أحد الأسماء على الجدار سيتحوّل من تاريخ قادم إلى تاريخ ماضٍ، وأنّ أحد أفراد عائلتي سيُدفع مكانِي.

في النهاية، فعلت الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يؤخّر هذا المصير عنهم… ونزلت.

اليوم، بعد سنوات، لا أحد يصدق القصة التي يرويها أبي عن الابن الذي "اختفى" في كهف.

يقولون إنه سقط في حفرة ولم يجدوه.

لكنني أعرف الحقيقة، وقد بدأت أفهم حلمًا جديدًا يزور طفلًا صغيرًا في بيت بعيد، في مدينة أخرى… طفلًا يحمل دمنا، يرى في نومه ممرًا ضيقًا، ولافتة حمراء مكسورة، وغرفة عمودية تنتظر اسمًا جديدًا يُنقش على الجدار.

إذا استيقظ قبل أن يلتفت… سينجو قليلًا.

وإن التفت، ورأى الأسماء محفورة أمامه… سيعرف أن الكهوف لا تنتهي عند حدود الأرض، بل عند حدود ما نحن مستعدون أن نضحي به من أجل من نحب.

— النهاية —

تم النسخ!

الآراء والتعليقات