الجزء الأول: طفلة كبرت قبل أوانها
إن أكثر ما يمكن أن يسبب لك أزمة نفسية خطيرة وساحقة، هو أن تجد نفسك مجبراً على فعل شيء لا تريده مطلقاً، ولكنك مضطر للقيام به رغماً عنك. قد تسألونني: ما هو هذا الشيء؟
اسمي مريم. انقطعتُ عن الدراسة في سن مبكرة، وما زلت أذكر ذلك اليوم جيداً؛ غادرتُ المدرسة وأنا طفلة في العاشرة من عمري. قد يتساءل البعض عن السبب، والملخص أن والديَّ كانا يعيشان فقراً مدقعاً، وكان يلزمني أن أفعل أي شيء لأمد لهما يد العون. قد تعجبون وتسألون: كيف لطفلة في العاشرة أن تعيل أسرة؟ لكنني سأجيبكم بأن هذه هي الحياة؛ عندما تختبر ظروفاً قاسية، فإنك تكبر قبل أوانك وتسبق سنك بكثير.
في الحقيقة، كنت إنسانة شديدة الذكاء، ولست أنا من يدعي ذلك، بل كان هذا بشهادة الجميع. حتى أن أستاذي عندما علم بانقطاعي عن الدراسة، جاء إلى بيتنا وتحدث مع والديَّ قائلاً:
«إنكم تظلمون هذه البنت، إنها مجتهدة وذكية للغاية، وأنا أرى لها مستقبلاً باهراً وعظيماً.»
ثم نزل الأستاذ إليّ وجثا على ركبتيه وسألني بحنو:
«ماذا تريدين أن تصبحي في مستقبلك يا ابنتي عندما تكبرين؟»
لم أتمالك نفسي وأجبته تلقائياً:
«طبيبة.. ولكن يا أستاذ، لن أتمكن من إكمال دراستي.»
لقد سردت لكم هذه المقدمة فقط لتعلموا أنني لم أدخل هذا الميدان الخطير بمحض إرادتي، بل هي الظروف القاسية التي ألقت بي في جحيمه. ولم يكن والديّ هما من أجبراني على المغادرة، بل أنا من اتخذت القرار برغبتي لأجلهم. والآن، سأروي لكم القصة التي من أجلها أكتب هذه الكلمات.
الجزء الثاني: الرجل الغامض
منذ صغري، اضطررت للقيام بأمور سيئة لكي أحصل على المال وأرسله لعائلتي، وأنتم تفهمون بالتأكيد ما أعنيه. وعندما كبرت قليلاً وبلغت السابعة عشرة من عمري، انتقلت للعيش مع امرأة (قوادة)، وكنت أرسل المال لوالديّ كل شهر لمساعدتهم. كانت تلك السيدة يستقبل بيتها الرجال بانتظام، وكان الزبائن يختارونني دائماً لأقضي معهم الليالي.
وفي أحد الأيام، جاء رجل طاعن في السن، يبدو في الخمسينات من عمره، وكان واضحاً أن صاحبة البيت تعرفه جيداً؛ إذ استقبلته بحفاوة قائلة:
«أهلاً بك يا سي الحاج، مرحباً بك.»
وجهزت له أفضل غرفة في البيت، وهي الغرفة المخصصة حصرياً للأثرياء والوجهاء. سألته عن عدد الفتيات اللواتي يحتاجهن، فأجابها بأنه يريد فتاة واحدة فقط. نادت علينا "البارتونا" فوقفنا أمامها في صف مستقيم، وبدأ ذلك "الحاج" يتفحصنا بعناية حتى وقع اختياره عليّ، وأشار إليّ قائلاً:
«اتبعيني.»
تبعته ودخلنا إلى الغرفة، فسألني عن اسمي فأخبرته، فقال:
«اسمك جميل، لكنني لا أريد ممارسة الجنس معكِ.»
تعجبت وسألته:
«وماذا تريد إذن؟ أنا لا أتقن سوى هذا العمل.»
فقال لي وهو يهدئ من روعي:
«صبركِ، انتظري.. لقد لمحت فيكِ شيئاً لا ترينه أنتِ في نفسكِ.»
سألته بفضول:
«مثل ماذا؟»
فأجاب:
«إذا صبرتِ وفعلتِ ما أمليه عليكِ، ستفهمين كل شيء. خذي هذه الـ 100 دولار، سأمكث معكِ هنا لمدة ساعة ثم أنصرف كأن شيئاً لم يكن، ولكنني أريدكِ أن تأتي إليّ في هذا العنوان، وهذا هو رقم هاتفي، لتشتغلي معي في عمل آخر ستحصلين منه على أموال طائلة.»
سألته بتوجس:
«وما طبيعة هذا العمل؟»
فقال:
«إن أردتِ المعرفة، اتصلي بي غداً وتعالي إلى العنوان وستكتشفين كل شيء، وسأغدق عليكِ بالمال.»
الجزء الثالث: عرض لا يُرفض
في تلك اللحظة، بدت لي الفكرة فرصة العمر التي لا تعوض، وكنت مستعدة لفعل أي شيء يطلبه؛ فما الذي يمكن أن يكون أسوأ من بيع الجسد؟ أنا فقط بحاجة ماسة إلى المال. بعد انقضاء الساعة، خرجنا من الغرفة، وسلم الرجل "البارتونا" ظرفاً يبدو أنه مليء بالنقود ثم غادر.
جاءت إليّ صاحبة البيت فوراً وسألتني بفضول:
«ماذا قال لكِ؟ وهل منحكِ إكرامية؟»
كذبت عليها لأنني أعلم أنها دأبت على سرقتنا واستغلالنا، فلم أخبرها بأمر الـ 100 دولار ولا عن موعد الغد، بل قلت لها:
«لم يقل شيئاً، منحني فقط 50 دولاراً.»
فقالت لي بدهشة:
«والله إنكِ محظوظة! هاتي الـ 50 دولاراً وخذي منها 25.»
سلمتها المال وأخذت نصيبي.
في اليوم التالي، كان يوم عطلتي الأسبوعية يوم الجمعة، حيث كنت أشتغل طوال الأسبوع وأرتاح في هذا اليوم، تماماً كالموظفين في الإدارات العمومية. استيقظت باكرة جداً، وفي الحقيقة لم أذق طعم النوم في تلك الليلة؛ فقد أنهيت عملي في الساعة الثالثة صباحاً، ومنذ تلك الساعة جافاني النوم وأنا أستحضر كلمات الرجل، وقد تملكني فضول قاتل لمعرفة طبيعة هذا العمل الذي يريدني فيه. مع بزوغ الفجر، غفوت لساعة أو ساعتين، ثم خرجت من المنزل دون تناول وجبة الفطور، وقصدت العنوان الذي منحنيه. اتصلت به وأخبرته بأنني في المكان المحدد، فقال بنبرة تملأها الغبطة:
«ممتاز، ممتاز! أنا قادم، أمهليني 15 دقيقة وسأكون عندكِ.»
الجزء الرابع: العبور إلى الظلام
وبالفعل، بعد 15 دقيقة بالتمام، حضر على متن سيارته، فركبت معه وانطلق بي في طريق تخترق الغابات والمسالك الفلاحية الوعرة، حتى وصلنا إلى بيته القابع وحيداً في جوف غابة شاسعة. لم أفهم كيف استطاع الوصول إلى هناك؛ فقد كان ينعطف يميناً وتارة يساراً في مسالك تائهة تصيب بالدوار. كنت أنظر إلى الطريق وأقول له بذعر:
«لا يمكن للسيارة أن تعبر من هنا!»
فيجيبني بثقة:
«ستعبر، سأمر.. أنا أحفظ هذه الطريق عن ظهر قلب، ولو ركب معنا أي شخص واجتاز هذا المسار، ثم طلبنا منه العودة بمفرده فلن يتذكر الطريق أبداً، لأن المكان يتشابه بالكامل؛ فالأشجار تحيط بنا من اليمين واليسار، ولا وجود للزفت، بل هي مجرد مسالك ترابية في قلب الغابة.»
أخيراً وصلنا إلى منزله، وكان بيتاً شاسعاً جداً تحيط به الكلاب وحيوانات أخرى كالخيول والحمير والدجاج. دخلنا وجلسنا، فقال لي بنبرة جادة:
«الآن سأشرح لكِ طبيعة العمل الذي ستشاركينني فيه. أنا أتعامل مع كبار الشخصيات والمسؤولين النافذين في البلاد؛ من بينهم فنانون، وسياسيون، وحتى أجانب يأتون إليّ من خارج أرض الوطن لأحل لهم مشاكلهم وتلبية رغباتهم؛ مثل من يريد أن يصبح رئيساً للدولة، أو من يسعى للنجاح في الانتخابات للظفر بمنصب رفيع، أو من تطمح لتمثيل دور البطولة في فيلم سينمائي.. إلى غير ذلك من الأمور.»
قاطعته قائلة:
«وكيف يمكنني أنا أن أساعدك في هذا كله؟»
فأجابني:
«سأكلفكِ ببعض المهمات الخاصة لتنفذيها لحسابي، وفي المقابل سأجعلكِ ثرية؛ في ظرف عام واحد أعدكِ بأنكِ ستلعبين بالمال لعباً، وستودعين ذلك العالم القذر الذي تبيعين فيه جسدكِ. ما رأيكِ؟ وأنا لم أختركِ عبثاً، بل كما أخبرتكِ سابقاً، هناك طاقة وخصائص فيكِ لا تدركينها أنتِ في نفسكِ، ومع الوقت سأكشف لكِ أسرار هذا المجال.»
الجزء الخامس: ميثاق مع الشيطان
بمجرد أن نطق بكلمة "الأسرار"، اتسعت عيناي وشعرت بفضول جارف تملكني مجدداً. لم يحمسني أمر المال بقدر ما حركتني الرغبة في معرفة تلك الأسرار الخفية، وكان ذلك هو السبب الرئيسي الذي دفعني للقبول. وبالفعل، بدأنا العمل معاً.
من بين المهمات التي كلفني بها في العام الأول، كان يرسلني إلى المقابر؛ حيث كان يتوجب عليّ نبش القبور التي مات أصحابها حديثاً، وسرقة أجزاء من الجثث؛ تارة آخذ خصلات من الشعر، وتارة أظافر، وتارة أخرى يداً.. نعم، كنت أقطع أيدي الموتى! استمررت في اقتراف هذه الفظائع لزمن طويل، وتوغلتُ وتوحشتُ في عالم الشيطان.
لاحقاً، تزوجت بهذا الرجل، وما زلت على ذمته حتى يومنا هذا، وما زلنا نمارس هذا العمل معاً. وفي الحقيقة، لا أحد على الإطلاق يعرف حقيقتي وما أقوم به سوى زوجي؛ فالناس في محيطي يرونني فتاة طيبة، خجولة، وسباقة لفعل الخير، لأنني انتشلت عائلتي من الفقر وأساعد كل من يحتاجني، وخاصة في الحي الذي نشأت فيه، حيث أصبح الجميع يضرب بي المثل في الأخلاق والكرم.
لكن هذا الأمر بات يسبب لي أزمة نفسية طاحنة في حياتي؛ فقد هجرني النوم، وأقضي لياليّ في التفكير بجثث الموتى، وتلك الطقوس المرعبة التي نمارسها، وكيف نتعامل مع الجن والشياطين. لقد شعرت برغبة عارمة في حكاية قصتي لأشخاص لا يعرفون هويتي الحقيقية.. لا أعلم لمَ أقوم بكل هذا، لكنني أفعله وكفى. لا أدري إن كنت سأستمر في الغوص معكم في تفاصيل قصتي أكثر، سأنتظر ما سيمليه عليّ عقلي وضميري.
وداعاً لكم.
— نهاية الاعتراف —
الآراء والتعليقات