العودة للرئيسية

📂 تصنيف: خوارق وورائيات  ·  ١٠ دقائق

سر حافر القبور: لعنة الجثث والمقابر

بقلم أرشيف الحكايات  ·  جديد

0 مشاهدة
تقييم القصة:
سر حافر القبور: لعنة الجثث والمقابر

اسمي عمر، ولدت في قرية صغيرة بمصر تُدعى "كفر العرب". كان والدي يعمل حَفّاراً للقبور؛ كلما توفي شخص في القرية، كان يذهب لإعداد القبر وتجهيزه قبل وصول الجثمان. عندما كبرت قليلاً، بدأت أساعده في عملية الحفر. وكان والدي في الوقت نفسه يحرس المقبرة، وهي مقبرة كبيرة جداً تقع في مكان معزول وبعيد عن القرية بمسافة تصل إلى ثلاثة كيلومترات. إذا أردنا شراء أي شيء، كان يتوجب علينا السير لمدة ساعة كاملة ذهاباً وإياباً، وكأننا نعيش بمفردنا في ذلك الخلاء.

أنا يتيم الأم، فقد توفيت والدتي أثناء ولادتي، ومنذ ذلك الحين رفض والدي الزواج مجدداً وكرّس حياته لتربيتي وتعليمي. أبلغ من العمر الآن 29 عاماً، وقد توفي والدي -رحمه الله- منذ حوالي ست سنوات. لم أعد أعيش في "كفر العرب"، بل انتقلت إلى القاهرة حيث أكملت دراستي وتخرجت مهندساً، والحمد لله.

بالعودة إلى الماضي، عندما كنت صغيراً وأساعد والدي، لم يكن يحرمني من أي شيء، وكان يشتري لي الكتب وكل ما أحتاجه. لكنه لم يكن يحب أن أساعده في عمله، بل كان يقول لي دائماً: "اهتم بدراستك فقط، واترك هذا العمل لي". لكنني لم أكن أتحمل رؤيته يشقى بينما أكلأ أنا بالراحة، فكنت أرافقه رغماً عنه. كان بيتنا يقع مباشرة بجانب المقابر، وكان والدي يخرج دائماً في الليل ولا يعود إلا في الثالثة أو الرابعة صباحاً. ينام لساعتين أو ثلاث ثم يستيقظ مجدداً. قلت له ذات مرة: "يا أبي، سوف تهلك صحتك هكذا، لقد نحفت كثيراً وتقدمت في السن، يجب أن ترتاح وتأكل جيداً". لكن جوابه كان ثابتاً دائماً: "كل ما يهمني هو أن تكون أنت بخير".

بعد خمس سنوات، حصلت على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، وكان عليّ الانتقال إلى القاهرة لمتابعة دراستي الجامعية. استأجر لي والدي شقة بمفردي ووفر لي المال لأركز في دراستي. كنا عائلة فقيرة الحال، لكن والدي لم يرفض لي طلباً قط. كان رجلاً غامضاً وقليل الكلام؛ إذا سألته يجيب على قدر السؤال دون خوض في أي نقاش.

أثناء دراستي في القاهرة، كنت أستغل أي فرصة لأعود إلى القرية وأرى والدي لأنني كنت أحبه كثيراً. وكان نظامه لا يتغير؛ يطوف بالمقابر ليلاً، يعود فجراً لينام ساعة أو ساعتين، ثم يبدأ بحفر القبور. بعد مرور عامين، رأيت والدي في المنام جاء إليّ وقال: "لا تعد إلى هذه القرية مجدداً، ابقَ هناك". لكن مظهر والدي في الحلم كان مرعباً؛ كان عبارة عن هيكل عظمي بلا لحم، ورغم أن وجهه كان جمجمة، إلا أنني عرفت أنه هو وشعرت بوجوده، حتى أنني لم أركز في صوته من شدة الخوف.

استيقظت مذعوراً واتصلت فوراً بهاتف صاحب دكان للمواد الغذائية في القرية يُدعى "محفوظ". كنت أعتمد عليه دائماً لتوصيل الرسائل لوالدي، حيث لم يكن والدي يملك هاتفاً ويرفض الفكرة تماماً قائلاً إن الهاتف "من عمل الشيطان". اتصلت بمحفوظ في الثالثة صباحاً، وكنت خائفاً ألا يجيب بسبب الوقت المتأخر، لكنه رد عليّ. والغريب أنه أجاب، رغم أنني أعرف أنه يفتح دكانه في السابعة صباحاً ويغلقه في الثامنة مساءً.

قلت له: "السلام عليكم، أنا عمر، أريد التحدث مع والدي". قال لي: "والدك لم يأتِ إليّ منذ ثلاثة أشهر". قلت: "كيف؟" قال: "هذا ما هو حاصل، ليس من عادته، لكنه لم يأتِ منذ مدة طويلة". سألته: "ألم تعرف السبب؟" قال: "لا أعرف، وأنا لا أمر بتلك المنطقة كثيراً". فلما استغربت أجابني: "تلك البقعة مشؤومة، هل تعلم كم من الحوادث وقعت فيها مؤخراً؟ فلان كان يمر بدراجته فسقط في البئر وغرق ومات، وامرأة باتت تسقط من تلقاء نفسها وتتحدث مع رأسها وكأنها مجنونة، ويقولون إن الجن صار يسكن تلك البقعة". قلت بغضب: "ولماذا لم تخبرني بهذا؟" أجاب: "ماذا كنت سأقول لك؟ أنت تتصل بي فأنقل الرسالة لوالدك، وحين يريد التحدث معك يتصل هو، تلك هي علاقتنا". غضبت كثيراً وشعرت أنه يخفي عني شيئاً.

أغلقت الهاتف، جهّزت نفسي وحملت حقيبتي وخرجت تلك الليلة أبحث عن قطار يأخذني. وجدت أن أول قطار يتحرك في الخامسة والنصف صباحاً، فبقيت أنتظر حتى جاء. سبع ساعات من الطريق ثم وصلت، لكنني وصلت والليل قد بدأ يحل لأن الوقت كان فصل الشتاء حيث تحل الظلمة باكراً. كنت أسير في الظلام في تلك الطريق التي اعتدتُ السير فيها منذ صغري، فشعرت بالخوف، وكلما اقتربت من بيتنا ازداد قلبي خفقاناً ولم أعرف السبب.

حين وصلت إلى البيت طرقت الباب فلم يرد عليّ أحد، فبدأت أنادي على والدي، وأنا أفكر أن هذا هو وقته الذي يكون فيه في المقابر. دخلت إلى المقبرة. عليكم أن تعرفوا شيئاً واحداً؛ المقبرة محاطة بسور حديدي كبير، وإن أردت الدخول فعليك فتح الباب، والباب كان موصداً. وبيتنا ملاصق لباب المقبرة، ومفتاح البيت لم يفتح لي الباب، ولا أعرف السبب، ولعل والدي قد غيّر القفل.

بما أنني كبرت هناك وكنت ألعب بجانب المقبرة، فقد عرفت مكاناً سرياً كنت أدخل منه إلى المقبرة عندما كان والدي يمنعني من الذهاب إليها. ذهبت إليه وفتحت ما يشبه باباً سرياً لا يعرفه أحد غيري ودخلت. بقيت أسير في تلك المقبرة أبحث عن والدي، وبعد قليل لاحت لي إضاءة صغيرة في زاوية بعيدة، وأخذت أتبع ذلك الضوء وأنا أعرف الطريق جيداً. واقتربت حتى وصلت...

السر المرعب

كان والدي ومعه امرأتان، يخرجون جثة ويقطعون يدها! لم يسمعوني، كانوا وكأنهم في غيبوبة. حين اقتربت منهم ورأيت هذا المنظر، كاد قلبي يتوقف!

قبل أن أنطق بحرف، أدار والدي رأسه نحوي، وبنفس الهيئة التي رأيته بها في الحلم رأيته الآن، لكن هذه المرة كانت عيناه بيضاوين تماماً، لا يوجد فيهما أي لون آخر! حين رأيت ذلك المنظر، رميت الحقيبة وركضت عائداً إلى البيت من الداخل فوجدته مفتوحاً. دخلت فوجدت كل شيء كالمعتاد ولا شيء تغيّر. بعد قليل دخل عليّ والدي بهيئته الطبيعية، وقال لي: "اسمع يا بُنَيّ، انسَ ما رأيته، وفي الصباح ارجع من حيث أتيت ولا تعد إلى هنا أبداً. حتى لو سمعت أنني متّ، لا تفكر في القدوم إلى هذا المكان، وإلا فإن ما يحدث لك ستندم عليه طوال حياتك. اليوم نجوت لأنني ضحيت بأشياء كي تبقى أنت بخير، ولا تسألني عن ذلك لأنني لن أجيبك. وباسمك مالٌ يكفيك للعيش طوال حياتك حتى تموت، فاذهب وأنت مبارَك، لن يصيبك شيء طالما لم تعد إلى هذا المكان".

وهذا ما كان، في الصباح عدت إلى القاهرة. وبعد فترة قصيرة سمعت أن والدي قد مات، وجاءني محامٍ يقول لي إن لك ميراثاً تركه لك والدك. والصدمة أنني أصبحت إنساناً مليونيراً، وأصبحت مهندساً كبيراً. وهذه القصة حقيقية رويتها اليوم لأنني كنت قد أخفيتها طويلاً في قلبي وكان عليّ إخراجها لأرتاح.

— النهاية —

تم النسخ!

الآراء والتعليقات