وُلِدتُ في عائلةٍ من الأشرار. والمتوقَّع عندما يُولَد الإنسان في مكان فاسد أن يكبر فاسدًا هو أيضًا، لكن هذا ليس ما حدث معي. فمنذ صغري كنت أرى ما تفعله عائلتي، ولم يكن ذلك يعجبني أبدًا، لكن لم يكن بيدي حيلة.
جئتُ اليوم لأحكي لكم جزءًا صغيرًا من قصة هذه العائلة التي لا أجد لها اسمًا أنسب من "عائلة المسخ". ليس لأن أشكالهم كانت مشوَّهة، بل لأن قلوبهم هي التي كانت متسخة وقاسية جدًّا. كانوا يؤذون الناس، وكلما أعطاهم أحد أكثر زادوا في إيذائه.
أخطر هؤلاء كلِّهم كان جدّي. لم يكن أحد يقدر أن يعارضه في شيء يقوله؛ كان انتهازيًّا وماكرًا. كان ساحرًا، وفي الوقت نفسه زعيمًا لعصابة. أهل البلدة كانوا يخافون منه، وبعضهم كان يعمل معه لأنهم إن رفضوا العمل له، يمكنه أن يؤذيهم؛ إن أراد آذاهم روحيًّا بالسحر، وإن أراد آذاهم جسديًّا بالضرب أو حتى بالقتل.
قد تقول لي: أين كانت الشرطة؟ أقول لك: لم يكن أحد يقدر عليه، حتى الشرطة نفسها. فقد أخبر أبي يومًا أن الشرطة قبل أن تفكر في القيام بأي خطوة ضده، يكون هو قد علم بالأمر مسبقًا، ويكون قد "أنجز عمله" وحلّ المشكلة بطريقته الخاصة، سواء كان هناك من يريد التبليغ عنه أو رفع دعوى أو غير ذلك.
ستتساءل كيف. كان يمتلك نفوذًا عند الدولة؛ شخصيات كبيرة في البلد كانت تأتي إليه ليحلّ لها مشاكلها، ليس فقط المشاكل العادية، بل أيضًا أمور السحر وما يشبهه. حتى الذين كانوا يعملون عنده كانوا يخافونه.
كان جدّي دائمًا يحاول أن يقترب مني أكثر من إخوتي وحتى من أبي. كنّا نعيش في بيتٍ كبير جدًّا، ليس بيتًا عاديًّا بل يمكن أن أصفه بقصر صغير. كنّا نعيش كلّنا فيه معًا، وكانت لجدّي قواعد صارمة: يجب على الجميع الحضور إلى مائدة العشاء، ولا يُقبَل الغياب إلا في حالات خاصة جدًّا.
كنّا أكثر من ثلاثين شخصًا في ذلك البيت: أنا، وأبي، وإخوتي، وأعمامي الثلاثة، وعمّتاي و أولادهما، وجدّي. أمّا جدّتي فكانت قد ماتت منذ زمن طويل، وبعد موتها لم يتزوج جدّي مرةً أخرى.
كان يقول لي دائمًا: "يا حفيدي، أنت أكثر واحد أحسّ به. يجب أن تكون خليفتي." ثم يضيف: "أنا أعرفك جيدًا، وأعلم أنك لا تحب عالمنا هذا، لكن إن سمعتَ كلامي ستصل بعيدًا، وسأعطيك علمًا لا يعرفه إلا قلّة قليلة في هذا العالم، وستكون واحدًا منهم."
قلت له: "يا جدّي، سامحني، لكنني لا أحب هذا العالم الذي تعيشون فيه." فقال لي: "إن أردتُ أن أدخلك هذا العالم سأدخلَك، لكنني لا أريد أن أُكرِهك؛ أريدك أن تقتنع بنفسك. وحتى الذين يحبّون أن تنضمّ إليهم لا يريدونك مكرهًا، بل يريدونك عن حبّ."
سألته: "ومن هم هؤلاء؟" فقال: "إن أردت أن تعرفهم فعليك أولًا أن تقبل بي." سكتُّ ورحلتُ من عنده.
هناك شيء سأخبركم به لاحقًا في هذه الحكاية التي أكتبها لكم الآن. قد أكون دخلت ذلك العالم، وقد لا أكون، ولا أدري هل أخبركم أم أصمت. سأفكر في الأمر وأرى.
زائر من اليمن
المهم، سأحكي لكم الآن حادثة صغيرة وقعت لنا في يوم من الأيام. جاء إلى جدّي رجل مهم من الدولة اليمنية، وقال له: "أرسلوني إليك. هناك أناسٌ أعمل عندهم قالوا لي إنه لا أحد غيرك يستطيع حلّ هذه المشكلة." ثم قال: "اطلب ما تشاء، المال موجود، أي شيء تريده."
سأله جدّي: "وما هي مشكلتك؟" فأجابه: "ابني قتل فتاة، وأنا رجل ذو مكانة وسمعة، وقد أصبحت القضية رأيًا عامًا. حاولت أن أستعمل نفوذي لأخرج من هذه الجريمة، لكن الدلائل قوية، والرأي العام يضغط، وحتى رجال الدولة لا يقدرون أن يفعلوا شيئًا. والناس تطالب بإعدامه، وأنا لا أستطيع أن أترك ابني يموت."
قال له جدّي: "ابنك لن يموت." فقال الرجل: "ولا أريده أن يدخل السجن أيضًا." فقال له جدّي: "لن يدخل السجن." ثم أضاف: "لكن على شرط واحد."
سأله الرجل: "وما هو؟ أنا موافق على أي شيء." فقال جدّي: "في اليمن يوجد شيء اسمه الزئبق، لكنني لا أريد أي زئبق؛ أريد نوعًا معيّنًا اسمه شَهروخ. لونه قريب من الأحمر لكنه ليس أحمر، وقريب من البنفسجي لكنه ليس بنفسجيًا. إن جئتني به فابنك سيكون لك سالمًا."
ثم قال له: "ولكي أُسهِّل عليك، سأخبرك أين ستجده. يبقى فقط أن تحضره لي كرجل يفي بوعده." فغادر الرجل وبدأ يبحث عن ذلك الزئبق.
بعد أسابيع عاد إلى جدّي وقال له: "ما طلبته مني لم أستطع أن أُحضره. الأمر مستحيل. طلبوا مني مبالغ خيالية وأشياء أخرى، لكن هذا… لم أقدر عليه."
قال له جدّي: "ولمَ لا تقدر؟" فقال: "عندما سألت، قالوا لي إن المكان الذي يوجد فيه قاسٍ، وفيه جنّ، ومن المستحيل أن يخرج أحد منه حيًّا."
قال له جدّي: "إذًا اختر: حياة ابنك أم حياتك أنت؟" فظلّ الرجل يفكر حوالي خمس دقائق، وجدّي صامت لا ينطق بكلمة، ثم نهض الرجل وقال: "إن دخلت ذلك المكان ولم أخرج، ولم أستطع إحضار الزئبق، هل سيموت ابني؟"
أجابه جدّي: "لا، لن يموت. إن ذهبتَ ودخلتَ ومتَّ هناك، أو بقيتَ محبوسًا لا تستطيع الخروج، أيًّا يكن ما سيقع لك، سأعلم به، وسأنقذ ابنك. هذا كل ما في الأمر."
الاختفاء
عاد الرجل إلى بلده واختفى، ومنذ تلك اللحظة لم يعد.
مرّت مدة من الزمن، فسألت جدّي عنه، فقال لي: "اختفى ولم يترك أثرًا." قلت له: "هل مات؟" قال: "لا أعرف."
قلت له: "ألستَ أنت من يستطيع أن يعرف إن كان الإنسان حيًّا أم ميتًا؟ أليس الناس يأتونك لتعرف لهم مصير أولادهم أو أقاربهم وأين هم؟" فقال: "نعم، أستطيع، لكن إن كان لا يزال في هذه الأرض؛ حينها أستطيع أن أعرف من اللوح المحفوظ. أمّا ذلك الرجل فقد دخل إلى عالم آخر، ولا أستطيع أن أعرف عنه شيئًا بعد الآن."
سألته مرة أخرى: "وابنه؟ هل مات؟" فقال: "لا، لم يمت، ما زال حيًّا." فسألته: "وهل هو في السجن؟" قال: "لا، خرج من السجن."
قلت له: "كيف؟" فقال لي: "لقد سألتَ كثيرًا. إن أردت أن تعرف هذا العالم، فعليك أن تقبل به."
على أي حال، لقد رويت لكم هذه القصة القصيرة، وهي مجرد جزء يسير من أسرار عائلتي الكثيرة. فهل تريدون أن أواصل الحكي لكم؟
حليت عيني ف واحد العائلة ديال الأشرار، و المتوقّع إلا تزّدت فشي بلاصة خايبة حتى نتا غادي تكبر خايب، ولكن ماشي هاد الشي اللي وقع. من صغري كنت كنشوف داك الشي اللي كيديروه فاميليتي، ما كانش كيعجبني، ولكن ما كان عندي ما ندير.
جيت نحكي ليكم واحد تريف صغير من هاد العائلة اللي نقدر نسميها عائلة المسخ، حيتاش ما مسوخينش ف الشكيل ديالهم، ولكن ف قلب ديالهم؛ كانت قلوبهم قاسحة بزاف، و كانوا كيئذيو الناس، واللي عطا كتر كيزيدو يئذيوه.
والكبير ديال هاد الأشرار هو جدّي، ما كان حتى واحد يقدر يعارضو فشي حاجة من اللي كيهضر، كان سلطاوي و خابّي. هاد الجدّي كان ساحر، و ف نفس الوقت كان قايد ديال عصابة، و الناس ديال هاد القرية كانوا كايخافو منّو. شي ناس خدمو معاه، حيتاش إلا ما بغاوش يقدر يأذيهم؛ إلا بغا يأذيهم روحيًّا يسحرهم، و إلا جسديًّا يضربهم ولا يقتلهم.
غادي تقول ليا: علاش ما كايناش البوليس؟ غادي نقول ليك: ما كان حتى واحد يقدر عليه، حتى البوليس. كان واحد النهار كيهضر مع الوالد ديالي، قال ليه باللي البوليس قبل ما يفكرو يديرو شي حاجة ليه، يجيبو ليه ولا شي واحد بغا يدّعيه ولا شي حاجه بحال هكا، كيكون هو ساقط بالخبر، و داير خدمتو، و حالّ المشكل بطريقتو.
غادي تقول ليا: كيفاش؟ غادي نقول ليك: حيت هو عندو نفوذ مع الدولة، حيتاش الناس الكبار ديال البلاد كيجيو عندو يحلّ ليهم المشكل ديالهم، و حتى أمور خرا بحال السحر، و الناس اللي خدامين عندو كايخافو منّو.
كان جدّي ديما كيبغي يتقرّب منّي كتر من خوتي و من الوالد، حيت حنا عايشين ف دار كبيرة، هي ماشي غير دار، نقدر نقول ليكم بحال قصر، و كنعيشو فيها كاملين مجموعين. و جدّي كان عندو قواعد فهاد الدار: خاص كلشي يحضر ف العشا ضروري، إلا ف حالات خاصّة.
وحنا تقريبًا كتر من ثلاثين واحد ف الدار: كنت أنا و الوالد و خوتي، و عمّامي الثلاثة، و جوج عمّات و ولادهم، و جدّي. جدّتي ماتت من شحال هادي، و جدّي من بعد ما ماتت جدّتي ما عادش تزّوج.
كان ديما كايقول ليا: "يا جدّي، نتا هو أكثر واحد حاسّ بيك، تكون خليفة ديالي. ولكن أنا عارفك مزيان كيفاش داير، ما باغيش هاد العالم ديالنا. ولكن إلا سمعتي هضرتي غادي تمشي بعيد، و غادي نعطيك واحد العلم ناس قلّال بزاف اللي عارفينو فهاد العالم، و غادي تكون نتا واحد منهم."
قلت ليه: "يا جدّي، سمح ليا، ولكن أنا هاد العالم ما كيعجبنيش." هنا قال ليا: "إلا بغيتك دخل لهاد العالم غادي تدخل ليه، ولكن أنا ما باغيش نبزّز عليك؛ باغيك نتا تقتانع. وحتى الناس اللي بغاوك تدخل، ما بغاوكش بزّز، صحيح بغاوك تدخل عن حبّ."
قلت ليه: "شكون هادو؟" قال ليا: "إلا بغيتي تعرفهم خاصّك تقبل بي أنا." بقيت ساكت و مشيت بحالي.
كاينة واحد الحاجة غادي نعاودها ليكم فهاد الحدا اللي كنت ككتب ليكم فيها هاد الشي؛ نقدر نكون دخلت لهاد العالم، نقدر لا، وما عرفت شنو نقول ليكم ولا نسكت؛ غادي نفكّر و نشوف.
الزائر اليمني
المهم، غادي نعاود ليكم واحد الحكاية صغيرة وقعات لينا واحد النهار: جدّي جا عندو واحد الراجل مهم ف الدولة اليمنية، و قال لجدّي: "صافطوني عندك، شي ناس خدمتي ليهم، و قالو ليا ما كاين حتى واحد من غيرك اللي غادي يحلّ لي هاد المشكل." و قال لجدّي: "أي حاجة طلبتي أنا موجود، الفلوس، أي حاجة."
قال ليه جدّي: "شنو مشكلتك؟" قال ليه: "ولدي قتل واحد البنت، و أنا عندي حسنة وسمعة، و هاد القضيّة ولات رأي عام، و حاولت نخدم النفوذ ديالي باش نخرج من هاد الجريمة، ولكن كاينين دلائل قوية، و الرأي العام كيهضر، و حتى ناس ديال البلاد ما قدّو يديرو والو، و الناس كيطالبو بالإعدام، و ما نقدرش نخلي ولدي يموت."
قال ليه جدّي: "ولدك ما غاديش يموت." و قال ليه داك المسؤول: "ما بغيتوش حتى يدخل الحبس." قال ليه جدّي: "ما غاديش يدخل الحبس." قال ليه: "غير بشرط." سولو الراجل: "شنو هو؟ مرحبا بأي حاجة."
قال ليه جدّي: "فاليمن كاينة واحد الحاجة سميتها الزئبق، ولكن ماشي أي زئبق، بغيت واحد النوع سميتو شَهروخ، هو اللون ديالو قريب للحمر ولكن ماشي حمر، و قريب للبنفسجي و هو ماشي بنفسجي. إلا جبتيه ليا، ولدك يكون عندك."
و قال ليه جدّي: "باش نسهّل عليك، غادي نقول ليك فين غادي تلقاه؛ غادي يبقى غير تجيبو ليا راجل قبال." و مشى الراجل كيقلّب على هاد الزئبق.
منين دازت واحد الأسابيع، رجع الراجل عند جدّي و قال ليه: "داك الشي اللي طلبتي مني ما قدرتش نجيبو ليك، راه مستحيل نقدر نجيبو؛ طلبو مني فلوس ذهب، أي حاجة، ولكن هاد الشي ما قدرتش."
قال ليه جدّي: "علاش ما تقدرش؟" قال ليه: "منين سولّت، قالو ليا هاديك البلاصة حارشة، فيها الجِنّ، و مستحيل شي واحد يخرج من تَمّك."
قال ليه جدّي: "إيوا اختار: واش حياة ولدك ولا حياتك؟" الراجل بقى كايفكّر واحد خمس دقايق، و جدّي ساكت ما نطقش بكلمة. وقف الراجل و قال ليه: "إلا دخلت لتماما و ما خرجتش، و ما قدرتش نجيب ليك الزئبق، ولدي غادي يموت؟"
قال ليه جدّي: "لا، ما يموتش. إلا مشيتي و دخلتي و متّي، ولا بقيتي تَمّاك وما قدرتيش تخرج، ولا أي حاجة توقع ليك، أنا غادي نعرف، و غادي نعتق ولدك، و داك الشي اللي كان."
غبَر ليه الأثر
رجع الراجل لبلادو، و غبَر؛ من داك الوقت ما بقاش رجع.
دازت واحد المدّة، و أنا كنساول جدّي على داك الراجل، قال ليا باللي غبَر ليه الأثر. قلت ليه: "واش مات؟" قال ليا: "ما عرفتش."
قلت ليه: "ياك نتا كتقدر تعرف واش شي واحد حي ولا ميّت؟ ياك كيجي عندك الناس باش تعرف ليهم ولادهم ولا شي واحد من عائلتهم فين كاين؟" قال ليا: "آه، نقدر، ولكن إلا كان فالأرض؛ نقدر نعرف من اللوح المحفوظ. ولكن هداك الراجل دخل لواحد العالم، أنا ما نقدرش نعرف عليه أخبار."
و أنا نعاود نسولو: "وولدُو واش مات؟" قال لي: "لا، ما متش، باقي حي." و عاودت سولتو: "واش فالحبس؟" قال ليا: "لا، خرج من الحبس."
قلت ليه: "كيفاش؟" قال ليا: "سولتي بزاف؛ إلا بغيتي تعرف هاد العالم خاصّك تقبل."
مهم، عاودت ليكم هاد القصة الصغيرة، غير بزاف شوية من بزاف ديال أسرار فاميليتي. واش بغيـتو نزيد نحكي ليكم؟
الآراء والتعليقات