الفخ اللطيف
كان البيت مهجوراً، لكنه لم يكن صامتاً. بالنسبة للجميع، كان هذا البيت الذي ماتت فيه جدتي ثم عمتي مكاناً موبوءاً بالوحشة. أما بالنسبة لي، فقد كان ملاذاً أهرب إليه من ضجيج العالم. كنت أظنه صمتاً مريحاً، ولم أدرك أنه كان صمت الصياد قبل إطباق الفخ.
هناك خطيئة قديمة تدور في زوايا هذا المكان؛ قطة عمتي التي تخلصتُ منها قبل سنوات طمعاً في التخلص من إزعاجها. كنت أظن أن الموت يمحو الأشياء، لكن في هذا البيت، الموت هو مجرد بداية لولادة جديدة.. ولادة مشوهة.
خط الحياة المقطوع
الساعة تجاوزت الثالثة صباحاً. صوتي عبر الهاتف كان يبدو غريباً، كأنه يخرج من بئر عميق وأنا أحدث أبي:
«أنا في سيارة الأجرة الآن يا أبي.. أهرب نحو محطة القطار. لن أعود هناك، حتى لو كان البديل هو الشارع.»
«ليلى؟ صوتكِ يرتجف. ما الذي حدث؟ البلدة كلها نائمة الآن، كيف وجدتِ وسيلة نقل؟»
«لقد كانت السيارة تنتظرني عند المنعطف.. كأنها تعرف أنني سأخرج راكضة. استمع إليّ يا أبي، الهروب لم يكن من الأشباح، الهروب كان من الحقيقة.»
هندسة الموت القاسية
بدأ الأمر عند العتبة. قبل أن أدخل، ظهرت لي جارتنا الصغيرة "ميرا". طفلة في الثانية عشرة، لكن عينيها كانتا خاليتين من أي براءة. كانت ترتدي ثوب نوم صيفياً خفيفاً رغم البرد القارس الذي يجمد العظام. أمسكت بيدي، وكانت كفها باردة كبلاط الموتى.
قالت لي وهي تقودني داخل المنزل بخطوات رتيبة:
«لا تنظري إلى الفراغ كثيراً.. سكان المكان لا يحبون من يتأملهم.»
وافقت على بقائها معي كنوع من التسلية. وبينما كنا نتحرك في ردهات المنزل، بدأت ترسم لي خريطة مرعبة للحي، خريطة لم أكن أراها بعيني:
المنزل الملاصق: جدار يفصلني عن "البيت الأسود"، حيث تفحمت جثث ثلاثة أشخاص وما زالت أرواحهم تحاول جاهدة الخروج من الجدران.
المنزل الخلفي: إرث جدي القديم، الذي تحول إلى قبر عملاق بلا شواهد.
المنزل المحطم: يبعد عن نافذتي متراً واحداً، جدرانه المتآكلة تكشف عن جوف مظلم، حيث قالت ميرا إنها رأت عائلة كاملة من الأشباح القصار يخرجون من العدم، بلا أرجل، يسبحون في الهواء كأجنة في رحم الظلام.
المنزل المقابل: حيث يقبع الكيان الأكثر رعباً.. رجل ذو رأس ضخم يتأمل الفراغ من خلف زجاج مغلق، يوجههم بلغة الإشارات والصمت.
قالت لي ميرا جملة تسببت في تجمد الدماء في عروقي:
«الجميع يرحلون من هنا يا ليلى، لأن البشر لا يستطيعون العيش في وسط مربع من الموت.»
تجسد الذنب
عندما غادرت ميرا، انهار كل شيء.
استلقيت على الأريكة، فاستيقظت على صوت عمتي الراحلة. لم يكن طيفاً شفافاً، بل كانت كتلة من البرد الواقف فوق رأسي. امتدت يدها النحيلة لتتحسس وجهي، وهمست بنبرة عتاب حادة:
«لقد تركتِني أموت وحيدة.. ووعدتِني أن نكون معاً. ها قد جئتُ لأفي بوعدكِ.»
صرختُ، فتلاشى الطيف ليحل محله رعب نفسي أشد قسوة. من داخل خزانة الملابس، سمعت خربشة مألوفة. فتحت الباب، لتخرج منها قطتي القديمة.. القطة الميتة. نظرت إليّ بعينين بشريتين متسعتين، وانشق فمها الصغير عن صوت آدمي واضح:
«لماذا قتلتِني؟»
وفي لحظة، بدأت الجدران تفرز قططاً سوداء، نبتت من الشقوق كالعفن. انفتح الباب بصعوبة بالغة كأن الهواء نفسه أصبح لزجاً، ورأيت رجلاً يطير في ردهة المنزل، ملامحه مشوهة وعيناه مقلوبتان، بدأت الأرض الخشبية تبتلعه ببطء شديد، كأنه يغرق في مستنقع من الطين، حتى غاص تماماً ولم يتبق سوى صدى ضحكته.
الحقيقة التي لا ترحم
ركضتُ في الشارع حافية القدمين، وطرقتُ باب عائلة ميرا. فتح لي والدها، وعندما طلبتُ منه أن تأتي ابنته لتنام معي من شدة الخوف، تراجعت والدتها إلى الخلف وانفجرت بالبكاء، بينما صرخ الأب في وجهي بغضب أعمى:
«ارحلي من هنا! ألا يكفيكِ ما حدث لنا؟ هل جئتِ لتسخري من مأساتنا؟»
عندما استدرت لأرحل، استوقفتني الأم المكلومة، وقالت بصوت مخنوق:
«أنتِ رأيتها.. أليس كذلك؟ كانت ترتدي ثوب نومها الصيفي القصير؟»
«نعم.. كانت معي طوال الصباح!»
سقطت الأم على ركبتيها وقالت:
«ميرا ماتت منذ ثلاثة أشهر يا ليلى.. سقطت من نافذة غرفتها وهي تراقب الأشباح في منزلكم. لقد أصبحت هي الشبح الرابع الذي يتحدث عنه أهل البلدة.. الشبح الذي يتجول بين البيوت المهجورة.»
الدائرة المغلقة
عدتُ إلى مكالمة أبي، وأنا أتنفس بوعي مفقود:
«أنا في السيارة الآن يا أبي.. لكن الطريق غريب. الظلام دامس، والمصابيح الأمامية لا تكشف سوى الفراغ. السائق لا يتحدث، ولم نصل إلى المحطة رغم مرور دهر.»
صرخ أبي عبر الهاتف:
«ليلى! اغلقي الهاتف وانزلي فوراً! ليلى!»
نظرتُ إلى مرآة السيارة الأمامية. لم تكن هناك عينان تنظران إليّ، بل كان هناك انعكاس لرأس ضخم جداً، متورم بالظلال، بدأ يلتفت ببطء مرعب نحو المقعد الخلفي. انشق الوجه عن ابتسامة عريضة تجاوزت حدود البشر، وقال بصوت هو ملمس الرعب النفسي الخالص:
«المحطة؟ لا توجد محطات في مربع الموت يا ليلى.. ألم تخبركِ الصغيرة أنني صاحب الرأس الكبير؟ نحن لا نترك سكاننا يرحلون بهذه السهولة.»
توقف محرك السيارة، وانطفأت الأضواء، وتلاشى صوت أبي في الهاتف ليحل محله مواء قطة ينبعث من تحت المقاعد.
— النهاية —
الآراء والتعليقات