العودة للرئيسية

📂 تصنيف: لعنات  ·  ١٤ دقيقة

أثر من عالم آخر: صندوق المرآة الملعون

بقلم أرشيف الحكايات  ·  ٩.٣/١٠ رعب

استمع للقصة 🎧
0 مشاهدة
تقييم القصة:
صندوق المرآة الملعون - أثر من عالم آخر

عمّي عبد الحق والرحلة المشبوهة

اسمي نبيل، وعمري 28 سنة، أعيش في الدار البيضاء مع عائلتي. عمّي عبد الحق كان رجلًا غامضًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كان يسافر كثيرًا إلى أماكن لم يكن أحد يعرف عنها شيئًا، ويغيب لأسابيع ثم يعود محملًا بأشياء غريبة: تماثيل صغيرة، وأحجار منقوشة، وكتب بلغات لا نفهمها. أمي كانت تقول لأبي دائمًا: "أخوك هذا يلعب بالنار، يوم ما سيجلب لنا مصيبة." وأبي كان يضحك ويقول: "عبد الحق مجرد هاوٍ للتحف القديمة، لا أكثر."

لكن في شتاء 2023، عاد عمّي من رحلة إلى شرق تركيا وكان مختلفًا تمامًا. وجهه كان شاحبًا، وعيناه غائرتان كأنه لم ينم منذ أيام. وكان يحمل معه صندوقًا خشبيًا أسود اللون، مزينًا بنقوش فضية معقدة. الصندوق كان بحجم صندوق المجوهرات تقريبًا، لكنه كان ثقيلًا بشكل غير طبيعي. عندما وضعه على الطاولة، أحسست بشيء غريب، كأن الهواء في الغرفة أصبح أثقل فجأة.

فتح الصندوق

سألته: "ما هذا يا عمّي؟" نظر إليّ نظرة لم أفهمها في تلك اللحظة، كأنه يعتذر مسبقًا عن شيء. قال: "هذا أثر قديم جدًا، وجدته عند تاجر في قرية قريبة من بحيرة وان. قال لي إنه من بقايا حضارة أورارتو، عمره أكثر من ثلاثة آلاف سنة." فتح الصندوق ببطء. في الداخل كانت هناك مرآة دائرية صغيرة، قطرها لا يتجاوز خمس عشرة سنتيمترًا، محاطة بإطار من البرونز المنقوش عليه رموز غريبة تشبه العيون المفتوحة. سطح المرآة لم يكن كالمرايا العادية، بل كان داكنًا، كأنك تنظر في بركة ماء سوداء.

عندما اقتربت لأنظر فيها، أمسك عمّي بيدي بعنف وقال: "لا! لا تنظر فيها مباشرة. هذه ليست مرآة عادية." صوته كان مرتعشًا بطريقة لم أعهدها منه. عمّي كان رجلًا شجاعًا لا يخاف من شيء، أو هكذا كنت أظن. أغلق الصندوق ووضعه في خزانة غرفته وأغلقها بالمفتاح. قال لي: "يجب ألا يفتح أحد هذا الصندوق. أبدًا. أنا أبحث عن طريقة للتخلص منه بأمان."

الأصوات في الليل

في تلك الليلة بدأت الأمور الغريبة. كنت نائمًا في غرفتي عندما سمعت صوت طرق خافت ومتكرر. طق... طق... طق. كان يأتي من غرفة عمّي في الطابق العلوي. صعدت على رؤوس أصابعي ووقفت أمام بابه. الطرق كان يأتي من داخل الخزانة. ليس طرقًا عشوائيًا، بل إيقاعيًا، كأن شيئًا يطرق من الداخل يريد الخروج. وضعت أذني على باب الخزانة فسمعت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي: صوت همسات، كثيرة، متداخلة، كأن عشرات الأشخاص يتكلمون في نفس الوقت بلغة لا أفهمها.

هربت إلى غرفتي وأغلقت الباب. لم أنم تلك الليلة. في الصباح أخبرت عمّي بما سمعت. لم يبدُ متفاجئًا. قال لي بهدوء مرعب: "نبيل، ما في هذا الصندوق ليس من عالمنا. التاجر الذي باعه لي حذرني. قال إن من صنع هذه المرآة كانوا يستخدمونها للتواصل مع كائنات من بُعد آخر. كائنات ليست جنًا ولا شياطين، بل شيء أقدم بكثير."

الانعكاسات الخاطئة

بعد أسبوع، بدأت أختي الصغيرة مريم تتصرف بغرابة. كانت تقف أمام أي مرآة في البيت وتحدق فيها لدقائق طويلة. عندما كنا نسألها ماذا تفعل، كانت تقول: "أتكلم مع الولد الذي في المرآة." أمي ظنت أنها تلعب كما يلعب الأطفال مع أصدقاء خياليين. لكنني بدأت ألاحظ شيئًا مرعبًا: عندما كانت مريم تقف أمام مرآة الحمام، كان انعكاسها يتحرك بشكل مختلف عنها. ليس بفارق كبير، لكن كافٍ لتلاحظه إذا دققت النظر. كانت تبتسم، لكن الانعكاس كان يبتسم بشكل أوسع، بشكل لا يبدو بشريًا.

ذات ليلة، استيقظت على صراخ مريم. ركضت إلى غرفتها فوجدتها جالسة على السرير تبكي وتشير إلى المرآة الصغيرة على جدار غرفتها. قالت: "الولد خرج من المرآة! كان واقفًا هنا! عنده عيون سوداء بدون بياض!" حضنتها وحاولت تهدئتها. نظرت إلى المرآة فلم أرَ شيئًا. لكنني لاحظت أن سطح المرآة كان عليه بخار، كأن شخصًا كان يتنفس عليها من الجهة الأخرى.

عمّي يحاول التخلص منها

عمّي عبد الحق كان يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. لم يعد يأكل كما ينبغي، وكان يقضي ساعات في غرفته يقرأ كتبًا قديمة ويتحدث عبر الهاتف مع أشخاص بلغات مختلفة. سمعته ذات يوم يصرخ في الهاتف: "قلت لكم إنها ليست مرآة عادية! إنها باب! وقد فُتح الباب ولا أعرف كيف أغلقه!" ذات مساء، وجدته يحاول حرق الصندوق في حديقة المنزل. لكن الخشب لم يحترق. سكب عليه البنزين وأشعل النار، والنار كانت تشتعل حول الصندوق لكنها لا تمسه، كأن هناك حقلًا غير مرئي يحميه.

حاول تحطيم المرآة بمطرقة. عندما ضربها، ارتدت المطرقة بقوة وكسرت يده. ذهبنا به إلى المستشفى وهو يبكي ويقول: "لا يمكن تدميرها. لا يمكن. إنها تحمي نفسها." الطبيب وضع جبيرة على يده ونظر إلينا بقلق، يظن أن عمّي فقد عقله.

ليلة الكشف الأخيرة

في الليلة الأخيرة قبل أن يختفي عمّي، حدث شيء لن أنساه ما حييت. استيقظت الساعة الثالثة فجرًا على صوت عمّي يناديني بصوت هادئ جدًا. وجدته جالسًا في الصالون في الظلام التام. الصندوق كان مفتوحًا أمامه والمرآة السوداء كانت موضوعة على الطاولة. قال لي: "اجلس يا نبيل. يجب أن تفهم." جلست أمامه ورأيت أن وجهه كان مبللًا بالدموع.

قال: "هذه المرآة ليست للتواصل مع كائنات. إنها نافذة. نافذة حقيقية تطل على مكان آخر. والمشكلة أن من يكون على الجانب الآخر يمكنه أن يرانا أيضًا. ومنذ أن فتحت الصندوق لأول مرة في تركيا، فهم أنني هنا. وفهموا أن عائلتي هنا. وهم يقتربون. ليس عبر المرآة فقط، بل عبر كل سطح عاكس. كل مرآة، كل نافذة، كل شاشة هاتف مطفأة."

نظرت إلى المرآة السوداء على الطاولة. في البداية لم أرَ شيئًا سوى السواد. لكن ببطء، كأن عيني بدأت تتكيف مع نوع آخر من الظلام، بدأت أرى شيئًا. أشكال. كثيرة. تتحرك خلف سطح المرآة كأنها سمك في ماء مظلم. وعندما ركزت أكثر، رأيت وجهًا. وجه أبيض تمامًا بعيون سوداء بلا بياض ولا قزحية، كأنهما حفرتان في جمجمة. الوجه كان يبتسم. وكان ينظر مباشرة إليّ.

صرخت وأسقطت المرآة. لكنها لم تنكسر. التقطها عمّي ووضعها في الصندوق وأغلقه. نظر إليّ وقال: "الآن أنت أيضًا رأيتهم. وهم رأوك." في صباح اليوم التالي، اختفى عمّي عبد الحق. لم يأخذ ملابسه ولا هاتفه ولا محفظته. فقط الصندوق اختفى معه. لم نجده أبدًا. أبلغنا الشرطة، بحثوا في كل مكان، لكنه تبخر كأنه لم يكن موجودًا.

مرّ الآن أكثر من عامين. مريم تعافت وعادت طبيعية بعد أن غطينا كل مرايا البيت لأشهر. لكنني أنا لم أتعافَ. لأنني في كل مرة أنظر في مرآة، في أي مرآة، في أي مكان، أرى ذلك الوجه الأبيض يبتسم من خلف كتفي. وعندما ألتفت، لا يوجد أحد. لكنه هناك. في المرآة. ينتظر.

— نهاية القصة —

تم النسخ!

الآراء والتعليقات