العودة للرئيسية

📂 تصنيف: أساطير  ·  ١٢ دقيقة

لغز في أعالي الجبل: النعجة المفقودة وساكن الكهف

بقلم أرشيف الحكايات  ·  جديد

0 مشاهدة
تقييم القصة:
لغز في أعالي الجبل - ساكن الكهف الغامض

القرية والجبل الشاهق

اسمي سعد، وأبلغ من العمر الآن سبعاً وعشرين سنة. الحكاية التي سأرويها لكم اليوم حدثت فصولها عندما كنت صغيراً، في العاشرة من عمري تقريباً؛ حيث كنا نعيش في قرية هادئة تربض على قمة جبل شاهق في جنوب المغرب. كانت القرية تُعدّ على أصابع اليد الواحدة بيوتها، وكان الجيران يعرفون بعضهم مثلما يعرف الراعي خرافه. أما الجبل الذي يحضننا فكان صديقاً وعدوّاً في آنٍ واحد؛ يُطعمنا بمراعيه الخضراء ويُخيفنا بصموته الثقيل في الليل. كانت أمي تُحذّرنا دائماً من الصعود فوق خط صخري أبيض يقطع الجبل في منتصفه: "ما فوق الخط الأبيض ليس لنا. لا تصعدوا إليه بعد الغروب، ولا تصعدوا إليه وحدكم."

لم نفهم يومها سبب هذا الخط العجيب. كان الكبار يحكون عنه بنبرة لا تُشجّع على السؤال. كان هناك شيء فوق ذلك الخط لا يُعلَن عنه، لكنه موجود في أعماق كل بيت في القرية كحقيقة صامتة متوارثة من جيل إلى جيل.

النعجة المفقودة

في ذلك الصيف الذي لا أنساه، اختفت إحدى نعاج جدّي. لم يكن اختفاءً عادياً؛ فالنعاج كانت تعرف طريقها إلى الزريبة كما يعرف العقل طريقه إلى النوم. لكن نعجة جدّي البيضاء التي كان يُسمّيها "لالة" لم تعد ذلك المساء. فتّشنا في كل مكان: بين الأشجار، قرب الوادي، في الأماكن التي تحتمي فيها المواشي من الحرّ. لم نجد شيئاً، وعاد الجميع إلى بيوتهم مثقلين بقلق لا يقوله أحد بصوت عالٍ.

في اليوم الثاني، وجد جدّي آثار أقدام لالة في التراب الطريّ تتجه نحو الجهة الشمالية من الجبل، نحو الخط الأبيض من الصخور وما وراءه. وقف جدّي أمام تلك الآثار طويلاً، يُحدّق فيها بعيون يجتمع فيها القلق والمعرفة معاً. ثم التفت إليّ وقال: "تبقى هنا." لكنني أصررت على الذهاب معه، وفي النهاية قبل، ربما لأنه خاف أن يذهب وحده.

الكهف المحظور

صعدنا في الصباح الباكر، والجبل كان ساكناً بشكل غير مألوف؛ حتى الطيور بدت صامتة كأنها تعرف شيئاً نجهله. بعد نحو ساعة من الصعود المتعب عبر ممرات ضيّقة ومنحدرات حجرية، وصلنا إلى منطقة لم أرَها من قبل: واد صغير محاط بصخور شاهقة تشكّل جداراً طبيعياً، وفي أعمق نقطة منه كانت توجد فتحة كهف تُشبه فماً مفتوحاً في جسم الجبل. لم يكن الكهف بعيداً عن القرية مسافةً، لكنني أحسست كأنني في عالم آخر تماماً.

عند مدخل الكهف وجدنا ما أتينا نبحث عنه: خصلات من صوف أبيض ناعم عالقة على حجر حادّ عند حافة الفتحة. كان صوف لالة بلا شك. نظر جدّي إلى الصوف ثم إلى الكهف ثم عاد ينظر إليّ. قال بصوت خافت جداً كأنه يحذر من أن يُسمَع: "هذا الكهف لا يدخله أحد من القرية. قالوا إن فيه شيئاً." سألته وأنا أشعر بشيء بارد يتسلل في صدري: "أيّ شيء يا جدّي؟" أجاب وهو يُمسك بكتفي: "ساكن قديم. أقدم من القرية، أقدم من الجبل نفسه."

الصوت من الداخل

قبل أن نتراجع، سمعنا صوتاً من داخل الكهف. لم يكن صوت حيوان ولا صوت ريح في الشقوق. كان شيئاً بين الهمهمة والكلام، كأن شخصاً يُردّد كلمات لغة قديمة بنبرة رتيبة متواصلة لا تتوقف، كالتلاوة أو الترتيل أو الدعاء لمن لا نعرفه. توقّف جدّي عن الحركة تماماً، وأحسست قبضة يده على كتفي تشتدّ حتى كادت تؤلمني.

ثم رأيت ما جعل أنفاسي تتوقف: من بين الظلام الكثيف للكهف، على الجدار الصخري الداخلي، كان هناك ظلّ. ظلّ طويل جداً، أطول بكثير مما ينبغي لأي كائن، يتحرك ببطء على الصخر كأن شيئاً يمشي بداخل الكهف قادماً نحو المدخل. لا صوت لخطوات، لا صوت لتنفس، فقط ذلك الصوت الرتيب المستمر وذلك الظلّ المستحيل.

صرخ جدّي بي بصوت مكتوم: "اركض! لا تنظر!" وركضنا. ركضنا دون توقف حتى تجاوزنا الخط الأبيض من الصخور وعدنا إلى الجزء المعروف من الجبل. لم أنظر خلفي مرة واحدة. لكنني سمعت، وسط أنفاسي المتلاحقة وضربات قلبي المرتعشة، ذلك الصوت الرتيب لا يزال يأتي من الكهف خلفنا، مستمراً بنفس الإيقاع وكأننا لم نكن موجودين أبداً.

عودة لالة والسرّ المكتوم

في المساء، عادت لالة وحدها إلى الزريبة. لم يكن بها جرح ظاهر، ولم تبدُ متألمة، لكنها لم تكن هي. في الأيام التالية رفضت أن تأكل أو تشرب، وكانت تقف في زاوية الزريبة ساعات طويلة تُحدّق بعيون ثابتة نحو الجبل، كأنها تسمع ذلك الصوت الرتيب الذي لا يسمعه غيرها. بعد أسبوع بالتمام، وجدها جدّي ميتة في الصباح دون أي سبب واضح. لم يُعلّق أحد، ولم يسأل أحد. كان الصمت في ذلك اليوم ثقيلاً كالحجر.

لم يتكلم جدّي عن الكهف ولا عن ذلك اليوم طوال سنوات. لكن قبيل وفاته، وكنت قد صرت شاباً، أخبرني بما سمعه بدوره من والده: أن ذلك الكهف كان مسكناً لشيء يُسمّيه شيوخ القرية "المرابط". لا هو جنّيّ على ما يُعرف، ولا هو إنسان، بل كيانٌ عجيب كان يسكن الجبال الشاهقة قبل أن يأتي البشر ويبنوا قراهم على قممها. قال جدّي وعيناه تنظران نحو النافذة ونحو الجبل البعيد: "لا يؤذي من يحترمه ويبتعد. لكنه لا يُطلق بسهولة ما يدخل مسكنه." ثم صمت قليلاً وأضاف: "لالة دخلت كهفه. تنفّست هواءه. ومن دخل هواء المرابط لم يكن كما كان."

الآن وأنا أكتب هذه الكلمات، أسكن مدينة بعيدة عن الجبل. لكن في بعض الليالي، حين يكون الصمت كاملاً، أسمع في خيالي ذلك الصوت الرتيب المستمر من داخل الكهف. ولا أعرف إن كان ما أسمعه مجرد ذاكرة، أم أن ذلك الساكن القديم لا يزال يُردّد كلماته هناك في أعالي الجبل، في كهفه المظلم، منتظراً من يتجرّأ ويقترب ثانية.

— نهاية القصة —

تم النسخ!

الآراء والتعليقات