الانتقال إلى ألمانيا وبداية المعاناة
سأدخل في القصة مباشرة: اسمي محمد، عمري 43 سنة، أعيش في ألمانيا في قرية صغيرة قريبة من فرانكفورت. أنا مصري من محافظة أسيوط، وكنت أعمل معلمًا للمرحلة الابتدائية في مصر. وفي أحد الأيام التقيت بفتاة ألمانية سائحة، أعجبتني وأعجبتُ بها وقررنا الزواج، وهذا ما حدث؛ تزوجنا وسافرت للعيش معها في ألمانيا.
صراحة، حياتي تغيرت كثيرًا بعد أن هاجرت إلى ألمانيا؛ فعندما كنت في مصر كانت الحياة صعبة نوعًا ما ولم أكن قادرًا على مساعدة والديّ، ولكنني الآن أصبحت أرسل لهما كل شهر مبلغًا ماليًا يجعلهما يعيشان عيشة كريمة. وكما أخبرتكم، كنت أُدرّس الأطفال الصغار في مدرسة ابتدائية، وعندما جئت إلى ألمانيا كانت الحياة في البداية صعبة ولم أعتد على الجو بسرعة لأنه دائمًا بارد، والناس هنا لا يبتسمون ولا يعجبهم الغريب لأن هذه القرية صغيرة جدًا. لكن عندما كنت أذهب في عطلة نهاية الأسبوع إلى مدينة كبيرة نوعًا ما، كنت أرتاح وأجد أشخاصًا يتحدثون العربية مثل السوريين والمغاربة، وهذا الأمر كان يفرحني كثيرًا صراحة.
البحث عن عمل والفرصة المفاجئة
المهم، سنتي الأولى كانت صعبة جدًا بحكم أنني كنت ما زلت أتعلم اللغة الألمانية، وزوجتي صراحة كانت تساعدني لأتعلم اللغة بسرعة، وهذا ساعدني كثيرًا في التأقلم مع الشعب الألماني. كنت أبحث عن عمل ولكنني لم أجده، لأن أي عمل أود القيام به يقولون لي فيه: "يجب أن تتحدث الألمانية قليلًا على الأقل"، وأنا لم أكن أملك سوى القليل من اللغة الإنجليزية. وصراحة كنت أريد القيام بما أعرفه وهو تدريس الأطفال الصغار لأنني أرتاح عندما أمارس هذه المهنة ولا أعرف كيف أفعل أي شيء آخر، وحتى لو أردت ممارسة هذه المهنة، فإن شهادتي التي حصلت عليها من مصر غير معترف بها هنا.
بناءً على ذلك، واصلت دراسة اللغة الألمانية، وفي نفس الوقت وجدت مسجدًا في فرانكفورت يحتاجون فيه لشخص يُعلّم أطفال المسلمين اللغة العربية. وصراحة فرحت كثيرًا لأنها وظيفة أساعد بها نفسي ولكي لا تتحمل زوجتي كل الأعباء بمفردها؛ كنت أريد أن أشعر بأنني أقدم شيئًا في هذه الأسرة، ورغم أنني لم أكن أتقاضى مبلغًا كبيرًا في الشهر، إلا أنني على الأقل كنت أدخل إلى البيت بمصروف المنزل (التبضع).
وظيفة في الملجأ المهجور
المهم، مرت مدة من الزمن ووجدت عملًا في ملجأ قديم يعود لزمن طويل وهو مهجور، وكانوا يعرضون فيه أجرًا ممتازًا. ودون تفكير، طلبت من زوجتي أن تتحدث معهم لعلي أحظى بالوظيفة. اتصلت بهم زوجتي وقالت لهم: "زوجي مستعد للعمل في هذه الوظيفة، ولكن هناك مشكلة وهي أنه لا يتحدث الألمانية جيدًا بعد، لكنه يفهم قليلًا". قالوا لها: "ليس هناك مشكلة، لن نكون بحاجة لأن يتحدث الألمانية، سنريه فقط ما يجب عليه فعله وينتهي الأمر، وسيعمل بمفرده حتى ينهي عمله". سألتهم زوجتي: "متى يمكننا القدوم إليكم؟" قالوا لها: "إذا أردتم القدوم الآن، فإليكم العنوان لنوقع العقد ويبدأ العمل غدًا صباحًا". سألتني زوجتي: "هل نذهب؟" قلت لها: "نعم، لنذهب".
وهذا ما كان؛ ذهبنا والتقينا بالمدير، وشرح لنا ما يجب عليّ فعله؛ إذ إن هناك شركة تقوم بإصلاح المباني، يزيلون القديم ويعيدون البناء من جديد، وبما أنني لست عاملًا محترفًا، فإن دوري هو إزالة الحديد وإنزال السقف لكي يجد البناؤون المكان جاهزًا بمجرد قدومهم لبدء العمل. قالوا لي: "هذا المركز ستبدأ فيه بمفردك، على مهلك حتى نجد لك من يعاونك". قلت لهم: "حسَنًا". وقعت العقد ومدته 3 أشهر، وقالوا لي إنهم بعد 3 أشهر سيجددون معي إذا أعجبهم عملي وأعجبتني أنا أيضًا الوظيفة معهم. قلت لهم: "حسَنًا"، وكنت مسرورًا لأنني وجدت عملًا. أعطوني ملابس العمل، وحذاء الأمان، وكل شيء، وأعطوني العنوان لأبدأ في الغد عند الساعة 8 صباحًا. عدت إلى البيت وأنا فرحان لأنني سأعمل وسأشتري لزوجتي كل ما تحلم به.
اليوم الأول والأصوات الغامضة
استيقظت صباحًا وذهبت إلى العنوان الذي أعطوني إياه، فوجدت حارسًا عند باب تلك البناية. قال لي: "هل أنت العامل الجديد؟" قلت له: "نعم". قال لي: "مرحبًا بك، تعال لأريك ماذا ستفعل ومن أين ستبدأ". كان هذا الرجل يبدو في الخمسينات من عمره، ويظهر عليه أنه قديم في هذا العمل. قال لي: "انظر، أكمل هذه المنطقة التي بدأها شخص في الأسبوع الماضي". قلت له: "وأين هو هذا الشخص؟ هل سأعمل بمفردي هنا؟" قال لي: "لا أعلم، قيل لي أن أريك العمل فقط، وبالنسبة للشخص الذي سألت عنه، فقد قضى يومًا واحدًا في العمل ولم يعد يريد الإكمال، ولا نعرف السبب". صراحة لم أكترث بالأمر، وقلت في نفسي: "ما شأني أنا؟ المهم أن أعمل وأكمل شغلي وأعود إلى بيتي".
المهم، أراني غرفة وقال لي: "كل ما في هذه الغرفة ستخرجه إلى الخارج وتضعه في حاوية القمامة الكبيرة، وإذا ملأتها اليوم يمكنك الذهاب إلى حال سبيلك حتى الغد لتجد واحدة أخرى جديدة وفارغة، وساعاتك الثمانية محسوبة لك". قلت في نفسي: "يا للهول، هذه وظيفة رائعة!". ذهب الحارس وبدأت أنا العمل. تلك البناية كانت تبدو مثل مستشفى أو فندق أو شيء من هذا القبيل، لا أعرف ما هي بالضبط لأنها كانت كبيرة جدًا. المهم، بدأت بإخراج ما كان في تلك الغرفة، كنت أخرجه على مهلي وأنزله إلى الأسفل؛ كان هناك ركام من الأوراق، ودمى قديمة، وملابس قديمة، وكراسي، وطاولات. باختصار، كان الشيء يبدو كثيرًا جدًا، وتشعر أن هذا المكان مغلق منذ مدة طويلة.
بينما كنت أعمل، كنت أشغل موسيقى خفيفة لتؤنسني، وفجأة سمعت صرخة قوية جعلتني أنتفض، كانت صرخة فتاة صغيرة! خرجت راكضًا وقلت: "ما هذا؟ هل يعقل أن يكون أحد مسؤولي العمل قد جاء للبحث عني ولم يعرف أين أنا؟" بدأت أبحث في ذلك الممر الخارج من الغرفة التي كنت أعمل بها، فلم أجد شيئًا. قلت لنفسي: "ربما يخيّل إليّ فقط". وما إن أدرت وجهي لأدخل الغرفة، حتى سمعت صوت قرقعة في الجهة الأخرى. التفتُّ فإذا بي أرى فتاة صغيرة تمسك بيدها دمية، وتجري في ذلك الممر! بدأت أناديها: "يا ابنتي، ما بكِ؟ هل تحتاجين شيئًا؟ من أنتِ؟" لكنها لم تجبني. المهم، قلت في نفسي: "ربما يخيّل إليّ فقط بسبب الاستيقاظ مبكرًا والتعب، وهذا هو يومي الأول في العمل".
الرؤية المرعبة والحقيقة الصادمة
عدت لإكمال عملي، وبعد فترة وجيزة عدت لأسمع صوت تلك البنت مجددًا وكأنها تناديني. خرجت لأستطلع الأمر فلم أجد أحدًا. وبعد قليل سمعت صوتًا قادمًا من آخر الممر، ولكن هذه المرة كانت هناك امرأة تتحدث بلغة ليست ألمانية، بل تبدو لغة عبرية، وكانت تنطق باسمي! تعجبت وقلت: "من هذه؟ وكيف عرفت اسمي؟" ظللت أسير في ذلك الممر متتبعًا مصدر الصوت، فلم أجد شيئًا. وبينما كنت أهم بالرجوع، سمعت صوت البنت وتلك المرأة باللغة الألمانية. تتبعت الصوت ودخلت إلى غرفة كبيرة.
ما رأيته في تلك الغرفة لن أنساه طوال حياتي! قد يبدو لكم هذا الأمر غريبًا بعض الشيء، ولكن صدقوني، والله إنه الحقيقة؛ رأيت أكثر من 20 شخصًا، رجالًا كبارًا في السن، ونساءً، وأطفالًا صغارًا، يجلسون على الأرض، وثلاثة جنود يحملون السلاح ويمسكون بأولئك الناس ويلقون بهم في حفرة عميقة تشتعل فيها النيران! وكانت هناك طفلة صغيرة تبكي بجانبهم. لم أستطع التحمل واشتد خوفي، فهربت راكضًا وخرجت من تلك البناية.
التقيت بالحارس عند الباب، فقال لي: "ما بك؟" قلت له: "هذا المكان ليس طبيعيًا، هناك شيء غريب يحدث هنا!". قال لي: "احكِ لي، ما بك؟" فأخبرته بما رأيت. وبما أنني لا أتحدث الألمانية جيدًا، حاول أن يشرح لي قليلًا بالألمانية وقليلًا بالإنجليزية، فقال لي إن هذا المكان مات فيه الكثير من الناس، حيث كان موقعًا للمحرقة في الحرب العالمية الثانية، وكل الناس الذين يحضرونهم للعمل هنا يقولون نفس الكلام عن فتاة صغيرة تتحدث معهم، ويبدو أن روح هذه البنت ما زالت تدور في هذا المكان. قلت له: "أنا سأرحل، لا يمكنني العمل في هذا المكان". وذهبت إلى حال سبيلي ولم أعد إلى ذلك المكان مجددًا. هذا كل ما في الأمر.
— نهاية القصة —
الآراء والتعليقات