العودة للرئيسية

📂 تصنيف: رعب نفسي وجريمة  ·  ١٥ دقيقة

رسالة الـ 72 ساعة: عد تنازلي للموت

بقلم أرشيف الحكايات  ·  جديد

0 مشاهدة
تقييم القصة:
رسالة الـ 72 ساعة: عد تنازلي للموت

بعض القضايا لا تبدأ عند لحظة موت الضحية. بل قبل ذلك بكثير. لا بساعات… ولا بأيام… أحيانًا تبدأ برسالة.

رسالة قصيرة جدًا. بضع كلمات تُكتَب على شاشة هاتف. في البداية، لا معنى لها؛ تبدو مزحة سخيفة، أو محاولة ابتزاز، أو مجرد إعلان عشوائي. لكن بعد العثور على الجثة، تتحول هذه الرسالة نفسها إلى أهم دليل في القضية كلها.

المرعب حقًّا… أن في بعض الملفات الجنائية، كانت الرسالة تصل للضحية قبل موته بدقائق. وفي ملفات أخرى… كانت تُرسَل لأكثر من شخص في الوقت نفسه. وكل من استلمها… مات بعدها بفترة قصيرة.

الشرطة قالت: صدفة. أهالي الضحايا قالوا: تهديدات. لكن بعد اكتشاف الحقيقة… المحققون أنفسهم اعترفوا أنهم لم يروا في حياتهم قضية مثل هذه.

هذه واحدة من أغرب القضايا التي بدأت برسالة غامضة… وانتهت بسلسلة من الوفيات المرعبة جعلت مدينة كاملة تعيش شهورًا في حالة رعب.

أدهم: الرسالة الأولى

سنة 2018، في مدينة صغيرة هادئة، كان يعيش شاب اسمه أدهم، عمره 27 سنة. موظف عادي، حياته رتيبة: لا عداوات، لا مشاكل، لا ديون، لا تاريخ إجرامي. شخص يمكن أن يختفي من الدنيا، ولا يلاحظ ذلك إلا عدد قليل من الناس.

في ليلة جمعة، كان جالسًا في بيته يشاهد مباراة كرة قدم. أكواب فارغة، فتات طعام، شاشة ترمش بضوء خافت. في الساعة 10:41 مساءً، اهتزّ هاتفه. رقم مجهول. فتح الرسالة.

"باقي لك 72 ساعة."

ضحك أدهم. ظنّها مزحة من أحد أصدقائه. كتب: "مين؟" انتظر الرد. لا شيء. لا نقطة "يكتب الآن"، لا رسالة ثانية. مرّت الدقائق وهو ينظر إلى الشاشة، ثم أغلق الهاتف وعاد إلى المباراة.

48 ساعة

صباح اليوم التالي، استيقظ على المنبه. فتح الهاتف بشكل آلي. رسالة جديدة، أُرسِلت في الساعة 7:02 صباحًا.

"باقي لك 48 ساعة."

توقّف للحظة أطول هذه المرة. نفس الرقم المجهول. حاول الاتصال به. المكالمة لم ترنّ أصلًا؛ لا صوت، لا انتظار، فقط فشل في الاتصال.

أرسل ثلاث رسائل متتالية: "إنت مين؟" "إيه اللي بتعمله ده؟" "لو تعرفني بجد، ابعت اسمك." لا رد. كأن الرقم لا يعيش إلا للحظات قليلة أثناء إرسال الرسائل، ثم يختفي من الشبكة.

حكى لأصدقائه في جلسة القهوة. ضحكوا، وقالوا له إنها بالتأكيد مجرد "مقلب"، أو لعبة إلكترونية، أو شخص مريض يجرّب حظه. ضحك معهم، لأنه لم يكن يملك تفسيرًا أفضل.

24 ساعة

حتى جاءت الرسالة الثالثة.

"باقي لك 24 ساعة."

وصلته وهو في العمل. هذه المرة، لم يبتسم. لأن من يرسل الرسائل كان يعرف مواعيده بدقة؛ الرسالة جاءت في الوقت الذي يتفقد فيه هاتفه عادةً أثناء الاستراحة. حاول الاتصال بالرقم مرة أخرى، وبقي يراقب الشاشة لثوانٍ طويلة.

"فشل الاتصال."

بص وراك

في تلك الليلة، خرج أدهم من عمله متأخرًا. الشارع المؤدي إلى بيته كان شبه فارغ؛ أضواء قليلة، هواء بارد، وسكون غير مريح. الساعة كانت 11 تمامًا حين دخل الشارع الضيق الذي يوصله لباب العمارة.

هنا اهتز الهاتف في يده. فتح الشاشة بسرعة.

"بص وراك."

تجمّد قلبه. ببطء… التفت. الشارع كان خاليًا تمامًا. لا أشخاص، لا سيارات، لا أصوات. مجرد أعمدة إنارة بعيدة وضوء أصفر باهت. ابتلع ريقه، وعاد ينظر للهاتف. رسالة جديدة وصلت.

"فات الأوان."

في تلك اللحظة، دوّى صوت فرامل عنيف في الشارع. أضواء سيارة اندفعت نحوه، والوقت لم يمهله ليتحرك.

بعد أقل من ساعة، كانت الشرطة تطوّق مكان الحادث. سائق السيارة في حالة صدمة، يكرر أنه فقد السيطرة فجأة، وأن العربة انزلقت رغم أن الطريق كان جافًا. أُغلِق المحضر على أنها "حادثة سير مؤسفة". المكان الخطأ، في الوقت الخطأ. آخر ما ظهر على شاشة هاتف أدهم… كان تلك الرسائل.

الجميع اعتبرها مجرد صدفة غريبة. حتى مرّ أسبوع.

محمود يدخل قسم الشرطة

بعد سبعة أيام بالضبط، دخل رجل آخر قسم الشرطة بنفسه. كان اسمه محمود. عيناه مذعورتان، يده ترتعش وهو يمدّ هاتفه للضابط في الاستقبال.

"أنا عارف إنكم هتفتكروني مجنون… بس شوف الرسالة دي."

نظر الضابط إلى الشاشة.

"باقي لك 72 ساعة."

نفس الكلمات. نفس الصيغة. نفس النوع من الأرقام المجهولة. سأله الضابط: "مين بعتلك الرسالة دي؟" هزّ محمود رأسه. "معرفش." "عندك مشاكل مع حد؟ عداءات، ديون، تهديدات؟" "لا." "حد هددك قبل كده؟" "أبدًا… بس حاسس إني هموت."

تلك الجملة تحديدًا هي التي جعلت الضابط يتذكر ملف أدهم. القضية حُوِّلت إلى الرائد سامح؛ محقق معروف ببروده، لا يؤمن بالأشباح ولا باللعنات. بالنسبة له، الخوف مجرد أداة يستخدمها البشر ضد بعضهم. كان مقتنعًا أن هناك عقلًا مدبّرًا، شخصًا ذكيًّا يلعب لعبة نفسية مع الضحايا. لكن كيف؟ ولأي هدف؟

تحت المراقبة الكاملة

من تلك اللحظة، صار محمود تحت المراقبة الكاملة. ركّبوا كاميرات في شقته. تابعوا تحركاته في الشارع. راجعوا مكالماته، رسائله، حساباته البنكية، حساباته على مواقع التواصل. كل شيء كان طبيعيًّا. لا تهديدات. لا رسائل غريبة أخرى. لا سيارات مشبوهة تتبعه.

لكن الرسائل استمرت في الوصول. بعد يوم:

"باقي لك 48 ساعة."

ثم:

"باقي لك 24 ساعة."

ثم:

"استعد."

منتصف الليل

في الليلة الأخيرة، جلس الرائد سامح بنفسه في شقة محمود. معه اثنان من أفراد الشرطة. الأبواب مغلقة بالمفاتيح. النوافذ محكمة الإغلاق. كل شيء تحت السيطرة.

الساعة 11:57. أضاء هاتف محمود.

"ثلاث دقائق."

اسودّ وجه محمود. خطف سامح الهاتف من يده، حاول الاتصال بالرقم. ظهر الرقم للحظة على الشاشة… ثم اختفى. كأن الاتصال تمّ مع رقم غير موجود.

11:58.

"دقيقتان."

توتر الجو فجأة. بدأوا يفتشون الشقة غرفةً غرفة: المطبخ، الحمام، غرفة النوم، الشرفة الصغيرة. لا أجهزة غريبة، لا أسلاك، لا شيء.

11:59.

"دقيقة واحدة."

بدأ محمود ينهار. "مش عايز أموت… بالله عليكم اعملوا أي حاجة…" كان سامح واقفًا بجانبه مباشرة، قريبًا بما يكفي ليمنعه من إيذاء نفسه. الشرطيان الآخران يقفان في الجهة المقابلة، أعينهم لا تغادر محمود.

12:00. وصلت الرسالة الأخيرة.

"انتهى الوقت."

وفي اللحظة نفسها… سقط محمود على الأرض. لم يصرخ. لم يتلوّ. سقط مرة واحدة، كدمية انقطع خيطها. لم يلمسه أحد. جاءت الإسعاف، لكن كان الوقت قد فات. قلبه توقّف عن العمل.

التقرير الطبي: لا سموم. لا إصابات. لا جلطة، لا سكتة دماغية، لا مرض سابق.

"توقّف مفاجئ في عضلة القلب. سبب غير معروف."

هنا، لم تعد القضية مجرد حادثة غريبة. صار أمامهم الآن ضحيتان. كلاهما تلقى نفس الرسائل. وكلاهما مات بعد فترة قصيرة من وصول آخر رسالة.

الرابط القديم

بعد موت محمود، قرر الرائد سامح أن يعود إلى البداية. لابد أن هناك رابطًا بين أدهم ومحمود، حتى لو كان صغيرًا جدًّا. بدأ يراجع كل شيء: المدارس. الجامعات. أماكن العمل. الأحياء التي عاشوا فيها. أسماء الأصدقاء. الحسابات البنكية. النشاط على الإنترنت.

خمس أيام من البحث، لم يجد شيئًا مشتركًا. في اليوم السادس… وجد سطرًا صغيرًا في ملف قديم، غيّر كل شيء.

في سنة 2009، قبل تسع سنوات من أول رسالة، كان أدهم ومحمود في نفس المكان، في نفس اليوم، في نفس الساعة. حادثة قديمة. منسية تقريبًا. شاب اسمه ياسر، مات في ظروف غامضة تم تسجيلها رسميًّا على أنها "حادث".

فتح سامح الملف. التقرير بسيط: سقوط من ارتفاع في موقع بناء مهجور. لا كاميرات، لا شهود من العامة، لا متابعة حقيقية. القضية أُغلِقت بسرعة.

الشهود الخمسة

لكن كان هناك خمسة شهود حضروا الواقعة. من بينهم: أدهم. محمود. وثلاثة آخرون. اثنان من هؤلاء الثلاثة كانوا قد ماتوا بالفعل: واحد في حادث سيارة سنة 2015، والآخر "أزمة قلبية مفاجئة" سنة 2016. وقتها، لم يتلقَّ أحدهما رسائل مثيرة للريبة… أو على الأقل، لم يلاحظ أحد.

الشاهد الخامس ما زال حيًّا. أشرف، 42 سنة، متزوج، أب لبنتين. في اللحظة نفسها تقريبًا التي كان فيها سامح يضع دائرة حول اسمه في مكتب التحقيق… كان هاتف أشرف يضيء برسالة جديدة:

"باقي لك 72 ساعة."

في البداية، تجاهل أشرف الرسالة. ظنها إعلانًا أو خطأ في الرقم. ثم طرقت الشرطة باب بيته. حين علم أن اثنين من الشهود الآخرين ماتوا بعد تلقي رسائل مشابهة، تغيّر لون وجهه. وقال جملة جعلت سامح يركّز معه بكل حواسه:

"أنا كنت متأكد اليوم ده هيرجع يطاردنا."

اقترب منه سامح وسأله: "تقصد إيه؟" صمت أشرف طويلًا. ثم قال بصوت منخفض: "إحنا كدبنا."

ليلة 2009

القصة التي لم تُكتب في ملف 2009 كانت مختلفة تمامًا عن التقرير. ياسر لم يمت في "حادث" عادي. تلك الليلة، كان مع مجموعة شباب، من ضمنهم الشهود الخمسة. كانوا يسخرون منه منذ فترة؛ هادئ، منطوي، مختلف عنهم. قرروا "يلعبوا معاه شوية".

ذهبوا إلى موقع البناء المهجور. دفعوه، سحبوه، صوروه بهواتفهم وهو على الحافة، يترنّح تحت تأثير الخمر والخوف. الدَفعة الأولى كانت "مزحة"، الدفعة الثانية لم تكن كذلك.

سقط ياسر. ثلاثة طوابق للأسفل. لم يمت فورًا. كان يتنفس، ينزف، يتحرك. لكن لم يتصل أحد بالإسعاف. دار بينهم نقاش طويل مليء بالذعر والأنانية: السجن، الفضيحة، المستقبل، العائلة. في النهاية، اتفقوا أن يكذبوا.

"هنقول إننا لقيناه كده."
"الليل، والجو ضلمة، وهو اللي وقع لوحده."

أحدهم أخذ هاتف ياسر. مسح الفيديوهات. مسح الرسائل. وتركوه هناك. حين "عثرت" الشرطة على الجثة، كان ياسر قد فارق الحياة منذ وقت طويل. أُغلِقت القضية على أنها "حادث سقوط". لا أحد اعترف. لا أحد حوسب.

الرسالة القديمة

قال أشرف وهو يحدق في الفراغ: "كنت حاسس طول الوقت إن الموضوع مش هينتهي كده." سأله سامح: "بتقصد إن اللي بيبعت الرسائل… بينتقم لياسر؟" ردّ أشرف: "يمكن… ويمكن كمان مش بني آدم."

رفع سامح حاجبه. "إزاي يعني؟"

قال أشرف: "قبل ما نمشي في الليلة دي، واحد مننا جاله رسالة من رقم غريب. مكتوب فيها:

"كلكم هتدفعوا التمن."

افتكرناها هزار. مسحناها. بس أنا عمري ما نسيت الكلام." "مين اللي جاله الرسالة؟" "مش فاكر… كنا كلنا مسكنا تليفونات بعض، صور، مكالمات، ضحك… بس الرسالة دي شفتها بعيني."

نهاية أشرف

رغم الحماية اللي وُضِعت لأشرف، بدأ العد التنازلي.

"باقي لك 48 ساعة."
"باقي لك 24 ساعة."
"باقي لك 12 ساعة."
"استعد."
"ثلاث دقائق."
"دقيقتان."
"دقيقة واحدة."

وفي النهاية…

"انتهى الوقت."

وجدوه ميتًا في سريره، والشرطيان جالسان أمام باب الغرفة. لا صرخة، لا حركة، لا علامة على العنف. قلبه توقّف. مثل محمود. مثل شاهد سابق مات في سريره قبله بسنوات.

الآن، لم يبقَ أحد من الشهود الخمسة. اثنان ماتا "قبل الرسائل". ثلاثة بعد ظهور الرسائل بوضوح. كل خيط في القضية كان يعود إلى نقطة واحدة: ليلة 2009. وملف ياسر.

المكالمة الأخيرة

فتح سامح الملف القديم مرة أخرى. هذه المرة، لاحظ شيئًا لم يكن موجودًا من قبل في الصفحة الأخيرة؛ سطرًا مكتوبًا بخط يشبه خط الرسائل:

"تم جمع شهادات جميع الأطراف."

بينما ينظر إلى الجملة، شعر أن الحبر ما زال رطبًا. اهتزّ هاتفه. نظر إلى الشاشة.

"باقي لك 72 ساعة."

اتصل بالرقم على الفور. هذه المرة، اتصل الهاتف فعلًا. لكن لم يكن هناك رنين؛ فقط سكون، ثم حفيف خفيف، كأن أحدًا يتنفس داخل سلك طويل جدًّا.

قال سامح: "مين؟"

جاءه صوت بعيد، مشوش، كأنه يخرج من قاع بئر جافة:

"إنت اللي حقّقت في موتي… وبعدين قفلت الملف."

همس سامح: "ياسر؟" لم يأتِ جواب مباشر. ثم قال الصوت:

"كل شاهد خد دوره. إنت قريت الكذبة… وسكت. ده بيخليك آخر واحد في القائمة."

ثم انقطع الاتصال. نظر سامح إلى سجل المكالمات. لا رقم. لا مدة. فقط فراغ. هاتفه اهتزّ مرة أخرى.

"باقي لك 48 ساعة."

انتهى الوقت

لم يعرف أحد بما حدث للرائد سامح في الساعات الأخيرة. كل ما سُجّل في التقرير الرسمي: ضابط رفيع، وُجِد ميتًا على مكتبه في مقرّ عمله. لا جروح، لا دم، لا أي علامة على العنف.

على الهاتف المفتوح أمامه… كانت رسالة واحدة ما زالت على الشاشة:

"انتهى الوقت."

لم تُعرَف هوية مرسل الرسائل أبدًا. الرقم لم يُسجَّل في أي شركة اتصالات، ولم يظهر في أي قاعدة بيانات. لكن بين رجال التحقيق، انتشر همسٌ غريب: بعض القضايا لا تقبل أن تُغلَق على كذبة. بعض الشهادات… تبحث عن نفسها.

وفي تلك المدينة، عندما كان هاتف أي شخص يضيء بجملة بسيطة:

"باقي لك 72 ساعة."

لم يعد أحد يجرؤ أن يقول: "يمكن صدفة."

— النهاية —

تم النسخ!

الآراء والتعليقات