العودة للرئيسية

📂 تصنيف: أشباح وأماكن مهجورة  ·  ١٣ دقيقة

قطار الـ 1950: الرحلة التي لا تنتهي

بقلم أرشيف الحكايات  ·  جديد

0 مشاهدة
تقييم القصة:
قطار الـ 1950: الرحلة التي لا تنتهي

كان يوسف يظن أن أقصى ما يمكن أن يواجهه في عمله كفنيّ في المترو هو عطل مفاجئ في الإشارات أو توقف قطار بين محطتين. مشاكل يمكن قياسها، إصلاحها، وكتابتها في تقرير.

إلى أن اكتشف أن هناك أعطالًا… تُصلح نفسها بنفسها.

الساعة الثانية بعد منتصف الليل

كان النفق ساكنًا إلى درجةٍ مَرَضية، حتى إن يوسف كان يسمع صوت أنفاسه وارتجاج خطواته في العتمة. لا قطارات في الخدمة، لا تجارب تشغيل، لا حركة على هذا الخط حسب غرفة التحكم. هو فقط، وصندوق عدّته، وشريط من السكة يختفي في ظلام لا نهاية له.

ثم سمعه. صوت قطار قادم من بعيد.

تجمّد في مكانه. الجدول أمامه يؤكد أن جميع القطارات متوقفة في المستودع. ومع ذلك، كان الصوت يقترب، واضحًا، منتظمًا.

ظهر الضوء أولًا. لم يكن ضوء المصابيح القوية الحديثة، ولا الأزرق البارد لنماذج المترو الجديدة، بل وهج باهت، كأنّه تسلّل عبر طبقات من الزمن، لا عبر الهواء فقط.

القطار يخرج من الظلام

ثم خرج القطار من الظلام. كان قديمًا إلى حدٍّ مخيف؛ خشب مهترئ، حديد صدئ متقشّر، نوافذ ملوّثة بطبقات من الغبار. أقرب إلى قطعة من صورة تاريخية ملوّنة يدويًّا، لا إلى شيء ما زال يعمل.

لكن ما في داخله كان أسوأ.

الركاب في مقاعدهم، مصطفّون باحترام، كلٌّ في مكانه. لكن لا حركة. ولا نفس. ولا رمشة عين. كأنّ أحدًا أوقف الزمن عليهم في لحظة واحدة، وحفظهم وهم مستيقظون.

مرّ القطار أمام يوسف ببطء غير طبيعي، وكأنه يستعرض نفسه أمامه. ولأول مرة في حياته، شعر أن القطار لا يمرّ "من أمامه" فقط… بل يمرّ "عليه". كل عربة تعبر، كل وجه ثابت يمر أمام عينيه، دون أن يلتفت أحد… ومع ذلك، كان يحس أن العيون كلها تعرف أنه واقف هناك.

اختفى القطار في نهاية النفق كما ظهر، بلا صوت فرامل، بلا صرير حديد. ترك خلفه شيئًا واحدًا فقط.

التذكرة الصفراء

على الأرض، عند حافة السكة، كانت هناك تذكرة صفراء قديمة، كأن أحدًا أسقطها لتوّه، وكأن الزمن نسي أن يكمّل عمله عليها. انحنى يوسف وأمسكها بحذر.

جانب منها فارغ، والجانب الآخر مكتوب بخط أسود أنيق:

"المحطة: التي لا يعود منها أحد."

لم يبلّغ غرفة التحكم. كان يعرف مسبقًا نوع النظرات التي سيتلقّاها. بدلًا من ذلك، نزل إلى غرفة الأرشيف.

ملف ١٩٥٠

الملفات الرقمية شبه فارغة. الحوادث العادية، أعطال الأبواب، تأخّر القطارات… كل شيء مسحوب من السجل الخاص بهذا الخط. لم يبقَ إلا ملف واحد، كأنه تُرك له عمدًا.

"حادث – 1950"

فتح الملف:

"اختفاء قطار ركاب بين محطتين. عدد الركاب: 80. لا حطام. لا جثث. تم إغلاق التحقيق على أنه حادث غير مفسّر."

في الأسفل، بعد النص الرسمي، كانت هناك جملة إضافية، مكتوبة بخط مختلف:

"القطار لم يختفِ… بل اختار بديلًا."

أغلق يوسف الملف، وقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري. تلك الليلة، لم يغمض له جفن.

الباب الذي ينتظره

في الليلة التالية، عاد إلى نفس النقطة في النفق، وفي نفس الساعة. لم يكن ينتظر أن "يرى" القطار بقدر ما كان يشعر أن القطار هو الذي ينتظر "أن يراه".

عاد الصوت. عاد الضوء الغريب، القديم في لمعانه، وكأنه انعكاس لليل بعيد لا يخص هذا الزمن. وخرج القطار مرة أخرى.

هذه المرة، ما إن وصلت العربة الأولى إلى مكانه، حتى انفتح الباب أمامه مباشرة، بصوت حديد يخدش الصمت. لم يتوقّف القطار، ولم يبطئ سرعته. كان الباب ينزلق كأنه متأكّد أن يوسف سيصعد، سواء أراد ذلك أم لا.

لا يتذكر يوسف كيف تحركت قدماه. فجأة وجد نفسه داخل العربة.

الهمس

الصمت في الداخل كان أثقل من هواء النفق. الخشب يئن تحت خطوته، لكن الركاب بقوا على حالهم: مصلّبون في أماكنهم. ومع ذلك، أحس أن هناك شيئًا تغيّر… أو شيئًا "التقطه".

كان كل وجه في القطار… ينظر إليه. ليس واحدًا واحدًا، بل دفعة واحدة. نفس الانتباه الجامد، نفس العيون المفتوحة، لكنها الآن مائلة نحوه بدرجة لا تكاد تُرى.

ثم جاء الصوت. همس قريب جدًّا من أذنه، دافئ على غير المتوقع، يقول:

"لقد تأخّرت… يجب أن يتغيّر السائق في كل مرة."

السكة التي تُبنى أمام العجلات

تحرّك القطار. لكن ليس على السكة التي يعرفها يوسف. خارج النوافذ، لم يكن هناك جدار النفق المعتاد، ولا الأسلاك، ولا أرقام العلامات.

كان الفراغ نفسه يبني ممرًّا أمام القطار وهو يسير؛ جدران تتكوّن، إشارات تظهر وتختفي، لوحات أرقام تتبدّل ثم تذوب. كانت الأرقام القديمة تبهت حتى تختفي. وكان الزمن نفسه يبدو كأنه يتحطّم ويتكوّن من جديد تحت عجلاته.

ثم فجأة… توقّف. ظلام تام.

محطة سنة ٢٠٧٦

عندما عاد النور، لم يكن يوسف داخل القطار. كان واقفًا في محطة مترو حديثة بصورة مبالغ فيها. الجدران لامعة بلا خدش واحد، الأرضية نظيفة إلى حدٍّ مريب، المقاعد بلا أثر لاستعمال بشر.

الهدوء كامل. لا صوت لمحرّك هواء، لا إعلان آلي، لا خطوات، لا أحد.

أخرج هاتفه. لا شبكة، لا اسم مزوّد خدمة، كأن العالم الخارجي قد أُطفئ. قبل أن يعيد الهاتف إلى جيبه، أضاءت الشاشة من تلقاء نفسها. ظهرت رسالة واحدة:

"تم الوصول – 2076"

تجمّد في مكانه. استدار بسرعة، بحثًا عن القطار، عن السكة، عن أي علامة تدل على أنه في المكان نفسه الذي دخله منذ لحظات.

لم يجد شيئًا. لا قطار. لا نفق. لا سكة. فقط مرآة ضخمة تحتلّ الجدار المقابل بأكمله.

المرآة

اقترب منها بحذر. رأى نفسه… لكن ليس كما غادر. نفس الملامح، نفس الجسد، لكن يرتدي معطفًا أسود قديمًا يشبه زيّ السائقين في الصور القديمة، وفي يده تذكرة صفراء تلمع في انعكاس المرآة فقط.

خلفه، في الانعكاس وحده، كان القطار يقف في صمت. والثمانون راكبًا… واقفين، مبتسمين.

تقدّم واحد منهم خطوة في عمق المرآة، وقال بهدوء:

"في كل مرة نختار شخصًا جديدًا… لكن هذه المرة كان اسمك مكتوبًا منذ البداية."

ارتجفت المرآة. ثم انشقّت من المنتصف، كأنها باب زجاجي ذائب. شعر يوسف بقوة باردة تمسك به من داخله، لا من جسده؛ شيء يشدّ ظله قبل أن يشدّ بدنه، ويسحبه إلى داخل الانعكاس. لم يسقط التذكرة. دخل بها.

عودة إلى ١٩٥٠

في اللحظة نفسها، تحت الأرض، سنة 1950… توقّف قطار قديم فجأة في جزء مهجور من الخط. انفتح باب لم يكن موجودًا من قبل على ممر ضيّق، وخرج منه رجل يرتدي ملابس لا تشبه زمنه، عيونه تائهة، أنفاسه متقطعة.

نظر حوله، ولم يفهم شيئًا. لا هو يعرف أين هو، ولا من يراه يفهم من أين جاء. خلفه، أُغلِق الباب. تحرّك القطار من جديد.

القطار ليس وسيلة نقل. القطار "نظام اختيار". ومن يراه حقًّا… يصبح جزءًا منه، بدون أن يشعر.

— النهاية 💀 —

تم النسخ!

الآراء والتعليقات