العودة للرئيسية

📂 تصنيف: رعب نفسي  ·  ١٤ دقيقة

عائلة القفص الواحد: جنون الانتقام والدم

بقلم أرشيف الحكايات  ·  جديد

0 مشاهدة
تقييم القصة:
عائلة القفص الواحد: جنون الانتقام والدم

يقولون إن كل المشاكل التي نغرق فيها حين نكبر تبدأ من نقطة صغيرة في طفولتنا.

إن كان والداك يصرخان دائمًا، فستكبر وصوتك مشحوذ على نفس الطبقة. وإن كانا يمزّقان بعضهما، فستقضي عمرك تمزّق كل من يقترب منك.

لا أدري إن كان هذا كلام علماء النفس حقًّا، أم أنه مجرد عذر نعلّق عليه قسوتنا.

كل ما أعرفه أنني أكتب هذه الكلمات من داخل مستشفى للأمراض النفسية، وما زلت إلى الآن لا أعلم: هل أنا مجنون فعلًا؟ أم أنني اخترت الجنون لأن البديل الوحيد كان أن أظل ضعيفًا؟

أبي وأمي هنا أيضًا، في نفس هذا المستشفى.

ستقول إن الأمر غريب، لكنك لو رأيت بيتنا في طفولتي، لتعجبت كيف صبر الجنون علينا كل هذا الوقت.

لن أذكر اسمي. سمِّني ما تشاء: وحشًا، ضحيةً، لعنةً. في النهاية، لا فرق.

وليمة الدم اليومية

عندما بدأت أعي ما يدور حولي، لم يكن والداي يبدوان مجنونين تمامًا. من الخارج على الأقل. كانا يحبّانني بطريقتهما، يطعمانني، ويوفّران لي سقفًا فوق رأسي. لكن في عاداتهم شيء ملتوي لم أفهمه إلا متأخرًا جدًّا.

كانا يحبّان تعذيب الحيوانات.

لم نكن نأكل خضارًا, ولا فواكه، ولا شيئًا خفيفًا. فقط اللحم. لحم البقر والخنزير، مرة بعد مرة. الثلاجة كانت فمًا أحمر لا يُغلق، يقطر دمًا. كان أبي يجرّ الحيوانات إلى الحديقة، يذبحها هناك، وأمي تساعده على تنظيف الدم وكأنها تغسل الصحون.

لا دجاج. لا سمك. لا بيض. فقط لحم، ثم لحم، ثم لحم.

طبعًا، كنت آكل ما يأكلانه، فلم تكن لديّ خيارات أخرى. وطبعًا تعلّمت ما تعلّماه: أن كل ما هو أضعف منك موجود ليُفتح بطنه.

الملعون في الملعب

في المدرسة، كان الأولاد يتجنّبونني. لا يلعبون معي، لا يحدّثونني. كانوا ينظرون إليّ كما تنظر لكلب ضال: لا تقترب منه بما يكفي لتمدّ يدك، ولا تبتعد عنه بما يكفي لتطمئن. وكان ذلك يؤلمني أكثر من صراخ والديَّ وضربهما لبعضهما في الليل.

في يوم، كنّا نختار فرق كرة القدم. واحدًا بعد الآخر، كانوا ينادون أسماءهم. وقفت أنا مبتسمًا، أنتظر أن يناديني أحد. بقي مكان واحد فارغ، فالتفت إليّ أحدهم وقال بصوت عالٍ:

"مش هنلعب معاه. ده ملعون."

جلست على جانب الملعب، أشاهدهم وهم يلعبون، وقلبي يضرب ضلوعي بقوة، ورأسي يهمس: ارفع حجرًا واضرب به رأسك حتى تنتهي هذه الحكاية.

لكنني لم أضرب نفسي.

جاء ولد متأخر، تحدّث معهم لحظات، ثم تركوه ينضمّ إلى الفريق، يأخذ المكان الذي كان يجب أن يكون لي. نظرت إليهم، وشعرت أن شيئًا في داخلي انكسر. ليس فجأة، بل كشرخ طويل في جليد قديم.

لم أكرههم جميعًا. كرهت واحدًا فقط… ذلك الذي أخذ مكاني.

أول حجر

في تلك الليلة، تبعته إلى بيته. كان الظلام قد غطّى الشارع، والمصابيح ضعيفة متباعدة. كان يقود دراجته الصغيرة مطمئنًّا، كأن شيئًا لم يحدث، كأنّه لم يسلبني شيئًا. كنت أمشي في الظل، أراقبه.

قرب بيته، ضاق الطريق ومرّ بين أشجار بلا إنارة. انتظرت حتى هدّأ سرعته، حتى تعثّر قليلاً، ثم خرجت من خلف شجرة، ودسست عودًا غليظًا في عجل الدراجة.

انقلب. طار جسده الصغير على الإسفلت، وارتطم بالأرض بقوة.

لم يرَني وأنا أقترب. كانت في جيبي حجارة اخترتها من قبل؛ ملساء من جهة، حادّة من جهة أخرى. أخرجتها، وبدأت أضرب بها رأسه. مرّة. مرّتين. عشرًا. لم أتوقف حين توقف عن الحركة؛ توقفت حين تعبت ذراعي.

تركته هناك، وعدت إلى البيت.

في تلك الليلة، وأنا أستحمّ، كان الماء الدافئ يجرّ الدم والتراب إلى البالوعة، وكنت أشعر بشيء لم أختبره من قبل. لم يكن ندمًا. لم يكن خوفًا. كان سعادةً خالصة.

نشوة انتقام، كأنني أخيرًا دفعت يدًا من الأيدي الكثيرة التي كانت تدفعني إلى الأسفل طول عمري.

أشد من الموت

في اليوم التالي في المدرسة، أخبرتنا المعلّمة أن زميلنا تعرّض لـ"حادث"، وأنه الآن في المستشفى، في غيبوبة. قالت لنا أن ندعو له بالشفاء، وأن نتمنّى له العودة.

هناك فقط عرفت أنه لم يمت.

أول ما شعرت به لم يكن الرعب، بل الخيبة. لكن الأشهر مرّت، وبقي هو بين الحياة والموت، وأنا أذهب إلى المدرسة وألعب وأنام وآكل… ففهمت أن هذا أشدّ من الموت.

بعد سنة، استيقظ. لكنّه لم يعد نفس الشخص. لا يمشي كما كان، لا يتذكّر كما كان، وأصدقاؤه صاروا يتهامسون ويسخرون منه من وراء ظهره.

كنت قد صغّرته إلى الحجم الذي أشعروني به هم يومًا ما.

اعتراف عند الأب

حين كبرت قليلًا، قررت أن أخبر أبي بما فعلت. توقعت أن يصفعني، أن يصرخ، أن يأخذني بنفسه إلى الشرطة. لكنه استمع في صمت. ثم هزّ رأسه وقال بهدوء:

"كويس. متسمحش في حقك أبدًا. اللي يدوس عليك، دوس عليه."

في تلك الليلة، نمت كطفل. شعرت لأول مرة أن ما فعلته… "صحيح". أنني لم أكن وحشًا في نظره، بل ابنًا يدافع عن نفسه كما يجب.

منذ تلك اللحظة، صار الانتقام طعمًا لا يفارق فمي.

الرائحة التي وصلت إلى الجيران

أبي استمرّ في ذبح الحيوانات في الحديقة. رائحة الدم واللحم الفاسد بدأت تزحف إلى بيوت الجيران. اشتكوا. جاءت الشرطة، طرقت بابنا، وسألوا عن مصدر الرائحة.

قال لهم أبي ببرود:

"كنت بدبح خنزير في الجنينة… بس كده."

لم يعجبهم المشهد. كمية الدم، الأمعاء المرمية، النظرة في عينيه وهو يتحدّث عن الذبح كأنّه هواية. استدعوا طبيبًا نفسيًّا. بعد أسئلة قليلة، وحديث قصير على جنب، قرروا أن أبي ليس مجرد رجل غريب الأطوار. بل خطر. أخذوه إلى مستشفى الأمراض النفسية. أول واحد في العائلة يدخل رسميًّا.

المزهرية والأم

بقيت أنا وأمي وحدنا. ومن دون أبي، تغيّرَت. كل ما كان ملتويًا فيها صار أكثر حِدّة. صارت أكثر عصبية، أكثر عنفًا. في يوم، تشاجرت في العمل مع زميلةٍ لها، وضربتها بمزهرية زجاجية على رأسها. الشرطة جاءت من أجلها هذه المرة. طبيب نفسي آخر. تقرير آخر. تشخيص آخر: خطر على نفسها وعلى الآخرين. مستشفى الأمراض النفسية، مرةً أخرى.

بقيت وحدي في البيت. في البداية، ظننت أنني سألتقط أنفاسي من دون صراخهم ودمائهم وعيونهم الرازحة على صحن طعامي.

لكن الغضب عاد، يبحث عن مكان جديد ليسكنه.

مفك البراغي

في يوم من الأيام، دخلت إلى سوبرماركت لأشتري بيرة. عندما وصلت إلى الكاشير، طلب مني هويتي. أخبرته أنه ليست معي. رفض أن يبيعني، دفعني بيده، ورماني خارج المحل كأنني قطعة قمامة.

كان هذا ضحيتي الثانية.

انتظرت بالخارج، عند جانب المحل، أراقب الموظفين وهم يغادرون. في الليل، خرج هو، يتحدّث معهم صديق. افترقوا عند ساحة السيارات، وبقي وحده. قاد سيارته، وتبعته من بعيد.

ظننت أنني فقدته حين دخل شارعًا غريبًا، لكنني رأيت سيارته في النهاية تقف أمام عمارة باهتة. كنت على وشك أن أستعلم، حين رأيته يعود أدراجه إلى السيارة… يبدو أنه نسي شيئًا. لم أفكر كثيرًا. مشيت نحوه، من الخلف، وفي جيبي مفك براغي كنت أحمله منذ فترة "للاحتياط". غرسته في عنقه. مرّة. مرّتين. ثم مضيت.

المدينة لم تتغيّر. لم تنطفئ أي أنوار. لم ينهَر شيء. فقط رجل واحد أقل، كان يظن أن من حقّه أن يدفعني إلى الشارع.

منذ تلك اللحظة، صار الأمر بسيطًا: كل من يجرحني، يهينني، يتعالى عليّ… إن وصلت إليه، جعلته يدفع الثمن. لم أبدأ شيئًا مع أحد يومًا. لم أؤذِ شخصًا لم يؤذِني أولًا. كنت فقط… أصحّح الميزان.

وحيدًا في البيت

بعد سنوات، زادت نوبات أمي، وتحوّلت من "أم عصبية" إلى "خطر قانوني". الشرطة أخذتها، والأطباء قرروا إدخالها المستشفى مع أبي.

جاءتني موظفة من الشؤون الاجتماعية. سألتني إن كنت أريد الذهاب إلى ملجأ مع أطفال آخرين. قلت لها إنني أفضّل أن أبقى وحدي. ترددت قليلًا، لكنها وافقت. تركتني في ذلك البيت الذي يزيد صمته عن حاجتي.

زيارة للسبيطار

مرّت سنتان قبل أن أزور والديّ لأول مرة في المستشفى. كانا مدمَّرين؛ العيون تائهة، الأيدي ترتعش، اللسان ثقيل. لم يبدُ أن أحدًا منهما تذكّرني. شعرت للحظة بحرقةٍ في صدري، بشيء يشبه الشفقة. ثم تذكّرت من علّمني أن الدم لعبة، وأن اللحم وجبة يومية، وأن الضربة لا تُردّ إلا بضربةٍ أشدّ. وتذكّرت الجيران الذين اتصلوا بالشرطة بسبب رائحة بيتنا. كان لا بدّ لهم أن يدفعوا ثمنًا أيضًا.

الزوجان والحفيد

كانوا زوجين مسنّين يعيشان مع حفيدهما الشاب. كنت أعرف أن الحفيد يخرج مبكرًا ويعود متأخرًا. في ليلة، انتظرت حتى انطفأت الأنوار. فتح بابهم لم يكن صعبًا. دخلت إلى غرفة نومهم أولًا. كانا نائمين. وجدت قضيبًا معدنيًا في الممر، واستخدمته. المرأة لم تملك وقتًا لتصرخ. الرجل صرخ مرّة واحدة، ثم كسرتُ الصوت بحديدة أخرى.

كنت على وشك الرحيل، أستعد لإغلاق الباب وراء جريمتي، حين أحسست بيد تمسك شعري من الخلف وتدفع رأسي إلى الحائط. الحفيد. كان أقوى مما ظننته. قبل أن أفهم، كنت على الأرض، وركبته فوق صدري، والهواء ينقطع عن رئتي. اتصل بالشرطة، وجاءوا. لم تعد هناك "أعذار"، ولا "حادث مؤسف"، ولا "غيبوبة".

القفص الواحد

حكموا عليّ بالمؤبّد. لكن ليس في سجن عادي. بل هنا. قالوا إنني أخطر من أن أُترَك في العالم، وأمرَض من أن أُلقى في زنزانة مع سجناء آخرين. فحبسوني في نفس المكان الذي حبسوا فيه أبي وأمي.

اجتمعنا من جديد. عائلة واحدة كبيرة، مقطوعة عن العالم، في مبنى واحد مليء بالأبواب المغلقة.

ربما تسأل نفسك كيف تقرأ قصتي الآن. هناك ممرضة هنا تحبّ القصص. قالت لي إن عليّ أن أكتب، "لكي يفهمك الناس." أعطتني ورقًا وقلمًا، وتركتني مع وقت أكثر مما أحتاج.

ما زلت لا أعرف إن كنت مجنونًا حقًّا… أم أنني فقط ابن طفولة صنعت مني ما أرادته هي، ثم رمتني في المكان الوحيد الذي يشبهها. في كل الأحوال، هذا هو بيتي الآن. وإن كانت الطفولة تصنع الوحوش، فالعدالة الوحيدة التي حصلنا عليها… أن وضعونا جميعًا في نفس القفص.

— النهاية —

تم النسخ!

الآراء والتعليقات