لو أن أحدهم كلّمني من قبل عن “العالم الآخر”، عن الجنّ والعفاريت والأشباح، لكنت سخرت منه فورًا.
كنت مقتنعة أنه لا وجود لشيء اسمه “عالم ما وراء الطبيعة”، وأن كل ما لا يُرى ولا يُقاس لا يستحق أن يُصدَّق.
كل هذا تغيّر…
بعد ما حدث لي في الشقة الجديدة.
قبل أن أحكي لكم ما جرى، دعوني أعرّفكم بنفسي.
اسمي فريدة، عمري 26 سنة، متزوجة من أحمد. لم يرزقنا الله بالأطفال بعد. أنا أصلًا من الإسكندرية، لكن عندما حصل أحمد على فرصة عمل في القاهرة براتب جيد، انتقلنا معًا إليها.
أحمد يعمل حارسًا ليليًّا في شركة، وطبيعة عمله تجعله يقضي الليل كله خارج المنزل ويعود في النهار لينام.
أما أنا، فأبقى وحدي في الليل… في شقة لا أعرف فيها أحدًا.
السكن الجديد كان في بناية من ستة طوابق، في حيّ شعبي مكتظ.
الغريب أن البناية كلها شبه خالية؛ لا يسكنها إلا شقتان فقط: شقتنا في الدور الثالث، وشقة في الدور الثاني.
تلك الشقة تسكنها امرأة اسمها “أم عهد”؛ جزّارة، تملك محل جزارة وتعمل فيه بيديها. عندها بنت واحدة اسمها عهد، متزوجة وتعيش في مكان آخر.
عندما سأل أحمد الناس في الحي: لماذا البناية فارغة هكذا؟
كان الجواب: “بسبب أم عهد.”
المرأة تعشق تربية الكلاب، ولديها كلب ضخم اسمه “شاكوش”، مجرد رؤيته تكفي لجعل أي مستأجر جديد يهرب تاركًا السكن.
سألهم أحمد: “ولماذا لا يطلب المالك منها أن تترك البيت؟”
قالوا له: إن أصحاب البيت من الريف، نادرًا ما يأتون، ويخافون الدخول في مشكلة معها.
أما نحن، فلم نكن نخاف من الكلاب كثيرًا.
صحيح أنني عندما رأيت “شاكوش” لأول مرة ارتعبت قليلًا من حجمه، لكنني قلت لنفسي: سأتعود. فالإيجار أرخص مما توقعت، وهذا ما كان يهمّنا.
شقتنا في الدور الثالث كانت جميلة، عيبها الوحيد باب قديم من معدن وزجاج، فيه لوح زجاجي ضيق يسمح لمن في الداخل أن يرى ظلّ من يقف في الخارج، والعكس صحيح. هذا الباب نفسه هو ما جعل حياتي تنقلب رأسًا على عقب.
في البداية، كان كل شيء طبيعيًا.
إلى أن رأيت… ذلك الشيء.
أنا من النوع الذي يسهر ليلًا. أبقى مستيقظة إلى أن يعود أحمد في الصباح، فنفطر معًا ثم ننام.
ذات ليلة، كنت جالسة في الصالة، والتلفاز يعمل بصوت عالٍ كعادته. التفتُّ بلا وعي نحو باب الشقة.
رأيت ظلًّا يقف خارج الباب.
ظلّ إنسان، واقف بلا حركة، على بُعد سنتيمترات من الزجاج.
قلت في نفسي: معقول أحمد رجع بدري؟
ثم نظرت إلى الساعة.
الثالثة فجرًا.
أحمد لا يعود في هذا الوقت أبدًا.
قمت عن الكنبة، وتقدمت خطوتين نحو الباب… ثم توقفت.
لو كان أحمد، لفتح الباب بمفتاحه، أليس كذلك؟
حاولت أن أهدّئ نفسي: ربما نسي المفتاح في العمل، ربما ينتظر أن أفتح له.
لكن لو كان قد نسي المفتاح، ألم يكن ليطرق الباب؟ ينادي باسمي؟
الخوف بدأ يتسلّل إلى قلبي.
وقفت في مكاني، أنظر إلى الظلّ من بعيد. كنت أعلم أن عليّ أن أتحرك، لا يمكن أن أبقى متسمّرة هكذا. قررت أن أقترب.
في اللحظة التي خطوت فيها خطوة نحو الباب…
انطفأ النور.
صرخت دون أن أشعر.
ثوانٍ، وعاد التيار. رمشتُ، وقلبي يخفق، ونظرت فورًا إلى الباب.
الظلّ اختفى.
لم أعد وقتها “خائفة” فقط.
كنت مرعوبة.
جلست على الكنبة أراقب باب الشقة، عيني لم تتركه حتى أشرق ضوء النهار من النافذة.
في تلك اللحظة فقط، جاء أحمد ومعه الإفطار، ورآني على هذه الحال.
سألني: “مالك يا فريدة؟ لونك باهت كده ليه؟”
قلت له: “حصل شيء… لا أعرف كيف أفسّره.”
حكيت له كل ما حدث.
ضحك أحمد وقال: “يعني هيكون عفريت يا فريدة! اهدئي شوية، أكيد كان بيتهيألك. ما تكبريش الموضوع. يلا نأكل وننام.”
لم أقتنع… لكنني حاولت أن أنسى.
استيقظت بعد الظهر، وأحمد ما زال نائمًا. شعرت بملل شديد، فقررت أن أنزل لأشتري بعض الحلوى من محل قريب.
خرجت من الشقة، وصادفت “شاكوش” على الدرج.
لم يفعل شيئًا، لم يقترب مني، فقط نظر إليّ وترك لي الطريق.
أثار ذلك في قلبي شيئًا من الطمأنينة.
لم أتأخر كثيرًا، عشر دقائق بالكثير.
عندما عدت، رأيت في مدخل البناية طفلة في حوالي الثانية عشرة، تلعب وحدها.
ظننتها من أقارب أم عهد.
وأنا أصعد، نادتني: “إنتِ اللي ساكنة جديد يا طنط؟”
ابتسمت. “أيوه يا حبيبتي.”
“إسمك إيه؟”
“فريدة. وإنتِ اسمك إيه؟”
قالت: “أنا سماح. بس بالله عليك ما تقوليش لطنط أم عهد إنك شفتيّني بلعب هنا في المدخل.”
“ليه يا حبيبتي؟”
“علشان بتزعقلي لما تلاقيني هنا.”
“ساكنة فين يا سماح؟”
“جنبكم. وهتشوفيني هنا كل يوم. بس أهم حاجة ما تقوليش لطنط أم عهد.”
ضحكت. “ماشي. مش هقول.”
وواصلت طريقي إلى شقتي.
في الليل، كنت وحدي كالمعتاد.
ولا أعرف لماذا، لكن تركيزي كله كان على شيئين: الساعة… وباب الشقة.
كل دقيقة أنظر إليهما.
عندما أصبحت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، نظرت إلى الباب… وحدث ما كنت أخشاه.
نفس الظل.
نفس الوقفة.
نفس المكان.
لم يعد بإمكاني أن أقول إنها “تهيؤات”.
تسمّرت في مكاني.
وفجأة، دوّى نباح “شاكوش” من أسفل، نباحًا غريبًا، غاضبًا.
في اللحظة نفسها، اختفى الظل من أمام الباب.
اندفعت نحو الباب، وفتحته بسرعة.
كان “شاكوش” واقفًا أمام باب شقتي، عيناه مثبتتان على الدرج المؤدي إلى الأدوار العليا، ينبح بصوت عالٍ كأنه يرى شيئًا لا أراه.
لم أخف من الكلب. بالعكس، شعرت بالأمان بوجوده.
وتأكدت أن ما أراه ليس مجرد خيال في رأسي.
حكيت لأحمد ما حدث، مرة أخرى. لكنه ظلّ مصرًّا على أنني أتخيّل، وأنه لا وجود لعفاريت ولا أشباح، وأن عليّ أن أتوقف عن مشاهدة أفلام الرعب الأجنبية.
هنا قررت ألا أشارك أحمد أي شيء يحدث لي بعد ذلك.
وقررت أن أذهب بنفسي للحديث مع أم عهد.
انتظرت حتى خرج أحمد للعمل، ثم نزلت لأطرق بابها.
فتحت لي، ورحّبت بي، ودعتني إلى داخل شقتها.
كانت مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسمتها لها في خيالي؛ بسيطة، واجتماعية، كثيرة الكلام. في وسط الحديث، قلت لها:
“أنا كنت واخدة عنك فكرة سيئة، يا أم عهد. سامحيني.”
ضحكت: “فكرة إيه يا بنتي؟”
“علشان الناس اللي بتقول إنهم بيخافوا يسكنوا في البيت بسبب الكلب بتاعك، شاكوش.”
قالت: “لا يا حبيبتي، ضحكوا عليكي. شاكوش ما ينبحش غير على الغريب عن البيت. أي حد يسكن هنا، ما يقربش منه. وبعدين الناس ما مشيتش علشان شاكوش… لا، علشان سبب تاني خالص.”
سألتها وأنا أشعر أن قلبي يهبط: “سبب إيه؟”
“هو مفيش حد قالك؟”
“قال لي إيه؟ أنا مليش معرفة بحد.”
تنهدت وقالت: “السنة اللي فاتت حصلت حادثة هنا في البيت. من بعدها، كل السكان مشيوا وسابوا البناية. وأنا بس اللي فضلت فيها.”
“حادثة إيه؟”
“في الشقة اللي في الدور الأرضي، كانت ساكنة عيلة ومعاهم بنت صغيرة. البنت كانت بتلعب في الأوضة، وكان عندهم فرن حديد صغير فوق الدولاب. فجأة، وقع الفرن على البنت… وماتت.”
صمتت قليلًا، ثم تابعت: “الشرطة جات، وحققت، وفي الآخر قالوا: قضاء وقدر. لكن بعد كده، بقت تحصل حاجات غريبة. ناس تقول إنها بتشوف خيالات على السلم، ناس تقول إنها بتسمع صوت عيال جوه شققهم، وعيال بيجروا ويختفوا… وكل شوية حد يخاف، ويسيب البيت ويمشي.”
كانت الكلمات كالسكاكين.
ما أراه أمام باب شقتي… رآه غيري قبلي.
سألتها: “وإنتِ ما خفتيش؟ ليه ما مشيتيش؟”
ضحكت ضحكة عالية: “أخاف ليه؟ لو عفريت، هيعمل فيّ إيه يعني؟ أنا ما بخافش منهم، يمكن هما اللي بيخافوا مني ومن شاكوش!”
حاولت أن أضحك معها… لكن قلبي لم يشارك.
عدت إلى شقتي وأنا أحاول أن أستوعب ما سمعت. وكل ما قررته هو أنني لن أحكي شيئًا لأحمد بعد الآن.
جاء الليل، وذهب أحمد إلى عمله، وبقيت وحدي أنتظر الثالثة صباحًا.
كنت قد قررت أن أتصرف مثل أم عهد: أتجاهل، أريه أنني لا أخاف. فليظهر كما يشاء.
عند الثالثة تمامًا، ظهر الظل من جديد، واقفًا خلف لوح الزجاج. كان مواظبًا على موعده، للأسف.
هذه المرة، قررتُ أن أذهب أبعد من التجاهل؛ ضحكت بصوت عالٍ، رفعت صوت التلفاز، اخترت مسرحية سخيفة وبدأت أضحك بشكل استفزازي، كأنني أقول له: “وجودك لا يعنيني.”
ويبدو أنني استفززته فعلاً.
فجأة، دوّى طرق على الباب. ثلاث طرقات واضحة. تجمّد الدم في عروقي. لم يعد الأمر مجرد ظلّ. الآن، هناك من “يطرق” الباب.
توقفت ضحكتي. سكت التلفاز في أذني، رغم أنه ما زال يعمل. ظللت أحدق في الباب، لا أتحرك. هو طرق ثلاث طرقات… ثم سكت.
كان قلبي يخفق بسرعة، وكنت متأهبة لأن أسمع صوته يناديني باسمي، أو يقول: “إفتحي يا فريدة…” لم يحدث ذلك. لكن هذا لم يخفّف شيئًا من رجفتي.
بعد لحظات بدت لي طويلة كالساعات، اختفى الظل. وانفجرت في بكاء طويل، حتى غلبني التعب، ونمت.
استيقظت على يد أحمد توقظني. أردت أن أخبره، أن أصرخ في وجهه بكل ما حدث، لكن قبل أن أنطق، سمعنا صوتًا غريبًا في السلم.
أصوات أقدام كثيرة تصعد بسرعة. أحمد فتح الباب ليرى ما يحدث، وأنا توسلت إليه ألا يفتحه. لكنه فتح. رأى رجال الشرطة يصعدون. يبدو أنهم كانوا متجهين إلى أعلى البناية، لا إلى شقتنا.
قال لي أحمد: “خليكي هنا، وأنا هنزل أشوف في إيه.”
وقفت في البلكونة أراقب. سيارتا شرطة في الشارع، رجال يدخلون ويخرجون، أصوات مختلطة. بعد دقائق، رأيت أحمد يتحدث مع أحد الضباط. ثم عاد إلى الشقة، ووجهه يحمل خبرًا.
سألته: “إيه اللي حصل؟”
قال مبتسمًا ابتسامة غريبة: “في واحد كان ساكن في آخر دور فوق، مش من السكان، حرامي. قاعد في الشقة من شهور، يدخل ويطلع من غير ما حد يعرف.”
“إزاي يعني يدخل ويطلع؟”
“من البيت اللي جنبنا. يطلع على السطح هناك، ويعدي على سطحنا، وينزل. البيت اللي جنبنا فيه عيادة دكتور، الناس داخلة خارجة طول الوقت، فمحدش بياخد باله منه.”
ثم أضاف: “في التحقيق، اعترف إنه هو اللي كان بيخوّف السكان. استغل قصة البنت اللي ماتت علشان يخلي الناس تصدق إن البيت مسكون، فيسيبوه. هو اللي كان بيقف قدام الأبواب، ويخبط، ويهز في الكالون… علشان يهربوا، ويبقى البيت فاضي يستخدمه براحتُه. والوحيدة اللي مقدرش يقرب منها… أم عهد، علشان شاكوش.”
سكتُّ، لا أعرف: أضحك أم أبكي؟ لا عفاريت. لا أشباح. فقط إنسان، ولّد الرعب بدمٍ بارد.
مرت الأيام بعد ذلك عادية. كنت كلما تذكرت ما حدث لي، أضحك على نفسي، وألعن الحرامي ألف مرة. وعدت أقول لنفسي: “لا يوجد شيء اسمه عفاريت.”
إلى أن جاء اليوم… الذي رأيتها فيه.
كنت نازلة لأشتري شيئًا من الشارع، ومررت أمام الشقة في الدور الأرضي، تلك التي ماتت فيها الطفلة. وجدت الباب مفتوحًا؛ أهلها كانوا قد عادوا ليأخذوا بقية عفشهم.
وأنا أعبر، وقعت عيني على صورة في صندوق من الصناديق. صورة طفلة صغيرة. طفلة أعرفها جيدًا. اقتربت. كانت صورة “سماح”. نفس الوجه. نفس العينين. نفس الابتسامة.
في تلك اللحظة، نزلت أم عهد من السلم، فأوقفتها وسألتها وأنا أشير إلى الصورة: “مين البنت دي؟”
قالت ببساطة: “دي الله يرحمها، البنت اللي ماتت هنا.”
شعرت كأن أحدًا ضربني على رأسي. “سماح”… هي الطفلة الميتة. فهمت لماذا كانت تتوسل إليّ ألا أخبر أم عهد أنني أراها في المدخل. فهمت لماذا كانت تختفي كل مرة تخرج فيها المرأة من شقتها. ارتعش جسدي كله. نسيت ما كنت أنوي شراءه.
عدت إلى شقتي، وأنا أصعد السلم، رأيتها. كانت سماح واقفة على الدرجة، تنظر إليّ وتبتسم ابتسامة واسعة، وقالت: “مش هتيجي تلعب معايا شوية يا طنط؟”
انتهت.
يمكن إلا جا شي واحد قبل هاد النهار وگال ليا باللي كاين “عالم آخر”، فيه الجنّ والعفاريت والأشباح، كون ضحكت فوجهُ.
أنا كنت مقتنعة ما كاين لا ما وراء الطبيعة لا والو، غير اللي نقدّر نمسّو ونعقلوه.
حتى سكنت فالشقة الجديدة.
قبل ما نحكيلكم شنو وقع، خلّيني نعرّف بنفسي.
أنا فريدة، عندي 26 عام، مزوّجة بأحمد. الله مزال ما كتبش الوليدات. أنا من سكندرية، ولكن ملي لقا أحمد خدمة فالقاهرة فشركة بحارس ليلي وبأجر مزيان، جمعنا حوايجنا وجينا.
خدمة أحمد كتخليه فالليل كامل برا، كيحرّس الشركة، وكيجي فالصباح ينعس.
أنا كنكون بوحدي فالليل… فدار ما عارفاش حتى واحد.
كنسكن فعمارة فيها ستة الطوابق، فحي شعبي.
الغريب، العمارة كاملة خاوية، غير جوج شقق معمّرين: حنا فالثالث، وشي مرا فالثاني.
هاد المرا سميتها “أم عهد”، جزّارة، عندها محل ديال الجزارة وكتخدم فيه بيدها. عندها غير بنت وحدة، عهد، مزوّجة وعايشة بعيد.
منين سول أحمد علاش العمارة خاوية، جاوبوه الناس بكلمة وحدة: “الكلاب.”
أم عهد كتحمق على الكلاب، عندها بزاف، وأخطرهم كلب غليظ سميتو “شاكوش”. غير يبان، الكراية كيهربو.
أحمد سولهوم: “علاش مولين الدار ما كيطالبوش منها تمشي؟”
جاوبوه: “مولين الدار من البادية، ما كيجيوش بزاف، وكيتفادو مشاكل معاها.”
حنا فالحقيقة ما كنخافوش من الكلاب بزاف.
أول مرة شفت “شاكوش” تخضّيت شوية، راه كبير، ولكن گلت فحالي: نتعوّد، راه الكرا رخيص، وهادي فرصة.
شقتنا فالثالث كانت زوينة، غير الباب قديم: حديد وزجاج، فيه واحد الشّراع زجاجي كيخلي اللي فالداخل يشوف خيال اللي فالخارج، والعكس. هاد الباب هو اللي قلب حياتي.
أنا بطبيعة الحال كنسهَر فالليل. كنوجد الروحي، كنتفرج، حتى كيجي أحمد فالصباح، نفطرو ونعسو.
واحد الليل، كنت قاعْدة فالصّالون، التلفزة شاعلة بالصوت العالي، وعيني جات على الباب.
شفت خيال واقف برا. خيال بنادم، واقف بلا حركة، حدا الزجاج.
گلت فراسي: يمكن أحمد رجع بكري؟
شفت فساعة الحيط. الثالثة دالصباح.
أحمد عمرُه ما كيجي فهاد التوقيت.
وقفّت من فوق الكانابة، مشيت جوش الخطوات للباب… ومن بعد حبّست.
لو كان أحمد، رَاه غادي يحل بالمفتاح. حاولت نقنع راسي: “يمكن ناسى المفتاح فالشغل، ويمكن كيتسنى تفتحي ليه.”
ولكن إلا ناسى المفتاح، علاش ما كيخبطش؟ ما كيناديش؟
الخوف بدا كيتسرّب لقلبي.
بقيت واقفة، كنشوف فالخيال من بعيد، عارفة خصني نتحرك. قريت الفاتحة فقلبي، وخديت خطوة. غير خديتها… الطوالى تقطع.
غوّطت بلا ما نحس. ثواني، ورجع الضو. قلبت فالعينين، وشديت الباب بنظرة. الخيال اختفى.
ديك الساعة ماشي غير خفت… رعِبت.
جلست فوق الكانابة، عيني ما كتدوزش من الباب، حتى شعل ضوّ النهار من الشرجم.
منين جا أحمد ومعاه الفطور، لقا وجهي متبدّل. قال: “مالك يا فريدة؟ لونك بحال الورقة.”
گلت ليه: “شي حاجة وقعات… ما عارفاش نشرحها.” حكيت ليه كلشي.
ضحك وقال: “يعني غادي يكون عفريت؟ آ فريدة، راه غير كتتهيأ ليك. ما تشدّيش فبالك. يلا نفطرو ونعسو.”
ما صدّقتوش، ولكن قلت نساها.
فقّيت للعشية، وأحمد باقي نعسان. حسّيت بالملل، قلت نهبط نشري شي حاجة حلوة من حانوت حدا الدار.
خرجت، لقيت “شاكوش” فالدروج. ما دار والو، غير تفرج فيّ وخلّاني ندوز. الغريب، هاد الشي طمّن قلبي شوية.
ما تأخرتش، شي عشر دقايق.
منين رجعت، لقيت فمدخل العمارة طفلة صغيرة، شي 12 عام، كتلعاب بوحدها. قلت يمكن من عائلة أم عهد.
وأنا طالعة، عيّطات عليّ: “إنتِ اللي ساكنة جديدة يا طنط؟”
قلت ليها: “أيوه يا حبيبتي.”
“شنو سميتك؟”
“فريدة. وانتي؟”
“أنا سماح. غير عافاك، ما تقوليّش لطنط أم عهد شفتيني هنا فالمَدخَل.”
“علاش؟”
“حيت كاتغوّت عليّ إلا لقاتني كَنْلعب هنا.”
“وفين كتسكني يا سماح؟”
“جنبكم. وغادي تلقاني كل نهار هنا. غير بلا ما تقولي ليها.”
ضحكت: “ماشي، واعداك.” وطلعت لدارنا.
فالليل، رجعت لوحدي. ومع ما عرفت علاش، ولكن دماغي كامل مركز غير فالحويجتنين: الساعة… وباب الشقة. كل شوية كنشوف فيهم.
منين ولات الساعة الثالثة، قلبت الباب… وهاهو الشي اللي خفْت منو وقع. نفس الخيال. نفس الملامح. نفس البلاصة.
ما بقاش ينفع نقول “تهيؤات”. بقيت مجمّدة بلا حركة.
وفجأة، نباح “شاكوش” طلع من التحت، نباح غاضب. فداك اللحظة، الخيال اختفى.
هجمت للباب، حلّيتو. “شاكوش” واقف قدام باب شقتي، عينوه طالعين للفوق، للسلم اللي كيطلع للطبقات العليا، وكينبح بحال شي واحد باغي يهرس شي حد.
أنا ما خفتش من “شاكوش”، بالعكس، حسّيت براسي في الأمان. وعرفت مزيان باللي اللي شفته ماشي فخيالي.
من اللي رجع أحمد، قلت ليه كلشي ثاني. مرة أخرى، قال لي غير كنعوّدوه فدماغي، ولا الأفلام اللي كنشوف، ولا عفاريت لا والو.
هنا قررت: ما نعاود ليه حتى حاجة على الخيال. ونمشي نهدر مع أم عهد.
سنيت حتى خرج أحمد للخدمة، وهبطت نطرق بابها. فتحات، رحبات بيا، دخلتني.
صراحة، طلعات مختلفة على التصوّر ديالي: مرا بسيطة، ضاحكة، كتدوي بزاف. وسط الهضرة قلت ليها: “سمحي لي يا أم عهد، كنت واخدة عليك فكرة خايبة.”
ضحكت: “فكرة شنو؟”
“حيت الناس قالو كيخافو يسكنو فهنا بسبب الكلب ديالك، شاكوش.”
قالت: “لا يا بنتي، ضحكو عليك. شاكوش ما كينبح غير على الغريب. اللي ساكنين هنا ما كيقربش ليهم. وبصّح، الناس ما مشاوش حيتو… مشاوا على سبب آخر.”
سولتها وقلبي كينزل: “شنو هاد السبب؟”
“ما گال ليك حتّى واحد؟”
“لا، أنا ما كنخالط حتى واحد.”
تنهدات وقالات: “السنة اللي فاتت، وقع حادث هنا فالدار. من داك النهار، الناس كاملين خرجو، وبقيت غير أنا وشاكوش.”
“حادث شنو؟”
“فالدّار ديال الطبق الأرضي، كانت ساكنة عائلة ومعاهم بنية صغيرة. البنية كانت كتلعاب فالأوضة، وكان عندهم واحد الفران حديد صغير فوق الخزانة. ما عرفناش كيفاش، الفران طاح من الفوق، جا فوق البنت… وماتت.”
سكتات شوية، ومن بعد زادت: “العسكر والبوليس حقّقو، وقالوا: قضاء وقدر. ولكن من بعد، بدات الحوايج الغريبة: شي حد يقول كيشف خيالات فالسلم، شي حد يقول كيشف دراري صغار كيجريو فشقتو، ويختفو… وكل مرة شي حد يخاف، يحزم حوايجو، ويخرج.”
كلامها ضربني فالعظم. الخيال اللي كنشوف حدا الباب… ناس خرين شافوه قبل مني.
سولتها: “وانتي، ما خفتيش؟ علاش بقيتي؟”
ضحكت: “ونخاف من شنو؟ من العفريت؟ شنو غادي يدير ليا؟ أنا ما كَنخافش منهم، يمكن هما اللي كَيخافو مني ومن شاكوش!”
ضحكت بصوت عالي، وأنا ابتسمت غير حشومة. رجعت للشقة، والمخ ديالي عامر بالأسئلة. ما قلت حتى حاجة لأحمد.
رجع الليل، مشى أحمد للخدمة، وأنا جلست نسنى فالثلاثة ديال الصباح. قررت نكون بحال أم عهد: نتجاهل، ونسالي. يطلع الخيال، يهبط، شغلو هُوّ.
مع الثالثة، بان الخيال، واقف كي العادة. ولكن هاد المرة، أنا اللي قررت نلعب. شديت واحد المسرحية التافهة، عليت الصوت، وبديت كنضحك بزاف، بصوت عالي ومبالغ فيه، بحال اللي كنقول ليه: “وجودك ما كيهمنيش.”
يمكن هاد الاستفزاز ما عجبوش. فجأة… بنين الباب. ثلاثة ديال الطراقات، واضحة. الدم جمد فالعروق ديالي. ما بقاش غير خيال واقف، دابا ولا واحد “كيخبط” على الباب.
سكت، التلفزة بعدا كتعطي الصوت، لكن فودني ما كاين غير دقّات قلبي. بقيت شادة فالباب بعيني، ما نتحركش. هو خبط ثلاث مرات، ومن بعد سكت.
كنت كنسنى يسمّي عليا، يقول: “حلي يا فريدة.” ما هضرش. ولكن هاد الشي ما نقصش من رعبي. بعد وقت طويل في نظري، اختفى الخيال. وتبعاته أنا بالبكاء… حتى ناعسني العياط.
منين رجع أحمد، ما قدرتش نخبي التعب فوق وجهي. بقى كيسول، وأنا ما بغيتش نجاوب. لو قلت ليه على الطراق، غادي يقول مرة أخرى: “هذي غير تخايلات.”
ومع ذلك، الليل اللي من بعد كان أصعب. ما ناعستش.
مع التاسعة صباحًا قلت نخرج نتفسح شوية. فالمَدخَل، لقيت سماح كتلعب كالعادة. سولتها: “لاباس عليك يا سماح؟” قالت: “خايفة.”
تعجبت: “من شنو؟”
“ماشي أنا اللي خايفة… انتي اللي خايفة.” جوابها صفعني. “خايفة من شكون؟”
“من عمو اللي ساكن الفوق، اللي كايوقف لك فالليل قدّام الباب.” كل جواب منها فيه لغز.
سولتها: “شكون هاد عمو؟”
“اللي كل اللي سكْنو فالشقة ديالك قالو كيشوفوه. كايوقف قدّام الباب، وأحيانًا كايخبط، وأحيانًا كايحاول يفتح عليهم الباب. علشان هكا الناس ما كيبقاوش هنا بزاف. وحتى أنت، شكلك، ما غاديش تبقاي طويلة.”
حسّيت داك اللحظة باللي رجليا خْوات، قلبي طاح. يعني حتى هو كايحاول يفتح الباب؟ واش أنا حايمة فحلم، ولا فكوابيس، ولا فاش بالضبط؟
قبل ما نزيد نسوّل، سمعنا صوت أم عهد نازلة من الفوق. سماح قالت ليا بسرعة: “طنط أم عهد جايه، أنا غادي نمشي، إلا شافتني هنا غادي تغوّت عليا. ما تنسايش، ما تقوليّش ليها شفتيني.” ومشات.
خلاتني مع راسي، والدماغ ديالي غادي ينفجر.
فالعشية، أحمد گال ليا خذا جوج أيام راحة، ما غاديش يخدم بالليل. فرحت فرحة ما تتوصفش. حضنتو، وبديت ناكل بحال وحدة ما كالتش من سنين.
فلالليل، جهزت السهرة: فشار، عصير، كلشي. طلبت منو يسهر معايا، حتى الصباح، باش يشوف بعينيه اللي كنشوف. جلسنا بجوج على الكانابة، وأنا عيني ما كتبعدش على الباب. الساعة كانت كتمشي بشوية. أخيرًا، وصلات الثالثة…
شفته. ولا ما شفت والو. الخيال ما بانش. دازت دقيقة، جوج، عشرة. والو. بديت نسول راسي: “واش عارف باللي أحمد هنا؟ واش كيبغي غيرني أنا بوحدي؟ واش باغي يخليني أنا اللي نبان مجنونة قدام راجلي؟”
مع الرابعة، عييت. گلت لأحمد: “أنا غادي ننعس.” وفعلاً نعست.
الليلة اللي من بعد، بقت نفس الحكاية: أنا كنسنى، والخيال ما بانش.
منين سالات راحة أحمد، ورجع يخدم، قلت فحالي: “مزيان. إلا حتى اليوم ما بانش، راه السالف كله كان غير ضغط.”
ولكن منين قلّبت فالباب فالثالثة… بان الخيال، واضح، واقف. ما بقاتش عندي حتى ضحكة. كنت غادي نعيط من القهر: واش ما شبعتش مني؟
وقف، وبان أكبر من العادة. ثلاث طراقات. وبعدها، رجات الباب كامل. شي حد كايشد فيه، كايهزّو، بحال اللي باغي يفتحو بالقوة. هنا افتكرت كلام سماح: “ساعات كيحاول يفتح الباب عليهم.”
ما تحملتش. بديت نغوّت: “شكون؟ شكوننتا؟ شكون اللي على الباب؟” ما جاوب حتى حد. غير الصوت ديال الحديد كايتحرك. “شكوننتا؟ شكون؟!” وأنا كنبكي.
من بعد، كلشي سكت. ما بقى لا رجات، لا طراق، لا خيال. أنا بقيت كنعيط، حتى تعييت… ونعست فبلاصي.
في الصباح، جا أحمد، صحاني. كنت غادي نحكي ليه، ولكن سمعنا أصوات فالدرج؛ ناس كيجرو، بزاف. هنا قلت فقلبي: “ما كفاهش الليل، جا يكمل عليا فالنهار.”
أحمد مشى للباب رغم ما كنت كنسدّ عليه. حلّ، وشاف البوليس طالعين، طالعين للدور الفوقاني. ما فهمنا والو. گال ليا: “خليك هنا، نمشي نشوف شنو واقع.”
هبط، وأنا خرجت للبلكونة. شفت جوج د السيارات ديال البوليس فالزنقة. أحمد هابط كيهضر مع واحد الظابط. بقى شي عشر دقايق، وطلع.
سولت: “شنو وقع؟”
جابني وهو كيتبسم: “والو يا ستي، كان واحد ساكن فالسْطاح ديال العمارة، واحد ماشي من السكان، حرامي. ساكن هنا من شهور، داخل خارج، حتى شدّوه.”
“كيفاش ساكن؟ ومْمنين كايدخل ويخرج؟”
“من العمارة اللي حدانا. كيطلع للسْطاح، وكيعدي لسْطاحنا، وكيهبط. العمارة اللي حدانا فيها عيادة ديال طبيب، الناس داخلة خارجة، ما كيشكّ حتى واحد.”
ومن بعد زاد: “فالإستنطاق، اعترف بكلشي. قال هو اللي كان كيخوّف الناس، كيخليهم يتيقو باللي الدار مسكونة، باش يْخْلوها خاوية. كيوقف قدام البيبان، كيخبط، كيرجّ الكالون… حتى يهربو. وبالطبع، ما قربش لأم عهد، حيث كايخاف من شاكوش.”
ما عرفتش نضحك ولا نبكي. لا عفاريت، لا أشباح. غير بنادم فاسد.
من بعد ما شدّوه، رجعات الأيام عادية. كل ما نفتكر اللي وقع ليا، كنضحك شوية على راسي، ونسبّ الحرامي بزاف. ورجعت نقول: “ما كاين لا عفاريت لا والو.”
حتى جا النهار الأخير. كنت نازلة نشري شي حاجة، ومنين دزت حدا الشقة ديال الطبق الأرضي، اللي ماتت فيها البنت، لقيت بابها محلول. الناس ديالها جاو ياخذو ما بقى من العزال.
وأنا غادية، شفت فصندوق صورة بنية صغيرة. بنّية عارفاها مزيان. سماح. نفس الضحكة، نفس العينين.
فديك اللحظة نزلات أم عهد، سولتُها وأنا كنشاور على الصورة: “شكون هاد البنت؟”
گالت بهدوء: “هادي الله يرحمها، البنت اللي ماتت هنا.”
حسّيت شي واحد ضربني فدماغي. سماح… هي البنت الميتة. فهمت علاش كل مرة كتقولي: “ما تقوليش لطنط أم عهد شفتيني.” فهمت علاش كاتختفي غير كاتسمع صوتها.
رجليا بداو كيرتعشو، ونسيت حتى علاش كنت نازلة. رجعت طالع لدارنا، وأنا فالنص ديال الدروج، شفتها. سماح، واقفة، كاتضحك، وعينيها فيّ. “ما غاديش تجي تلعبِي معايا شوية يا طنط؟”
انتهت.
الآراء والتعليقات