العودة للرئيسية

📂 تصنيف: ما وراء الطبيعة ورعب نفسي  ·  ١٠ دقائق  ·  جديد

ظل الثالثة فجراً: شبح العمارة

بقلم أرشيف الحكايات

0 مشاهدة
تقييم القصة:
ظل الثالثة فجراً: شبح العمارة

لو أن أحدهم كلّمني من قبل عن “العالم الآخر”، عن الجنّ والعفاريت والأشباح، لكنت سخرت منه فورًا.

كنت مقتنعة أنه لا وجود لشيء اسمه “عالم ما وراء الطبيعة”، وأن كل ما لا يُرى ولا يُقاس لا يستحق أن يُصدَّق.

كل هذا تغيّر…

بعد ما حدث لي في الشقة الجديدة.

قبل أن أحكي لكم ما جرى، دعوني أعرّفكم بنفسي.

اسمي فريدة، عمري 26 سنة، متزوجة من أحمد. لم يرزقنا الله بالأطفال بعد. أنا أصلًا من الإسكندرية، لكن عندما حصل أحمد على فرصة عمل في القاهرة براتب جيد، انتقلنا معًا إليها.

أحمد يعمل حارسًا ليليًّا في شركة، وطبيعة عمله تجعله يقضي الليل كله خارج المنزل ويعود في النهار لينام.

أما أنا، فأبقى وحدي في الليل… في شقة لا أعرف فيها أحدًا.

السكن الجديد كان في بناية من ستة طوابق، في حيّ شعبي مكتظ.

الغريب أن البناية كلها شبه خالية؛ لا يسكنها إلا شقتان فقط: شقتنا في الدور الثالث، وشقة في الدور الثاني.

تلك الشقة تسكنها امرأة اسمها “أم عهد”؛ جزّارة، تملك محل جزارة وتعمل فيه بيديها. عندها بنت واحدة اسمها عهد، متزوجة وتعيش في مكان آخر.

عندما سأل أحمد الناس في الحي: لماذا البناية فارغة هكذا؟

كان الجواب: “بسبب أم عهد.”

المرأة تعشق تربية الكلاب، ولديها كلب ضخم اسمه “شاكوش”، مجرد رؤيته تكفي لجعل أي مستأجر جديد يهرب تاركًا السكن.

سألهم أحمد: “ولماذا لا يطلب المالك منها أن تترك البيت؟”

قالوا له: إن أصحاب البيت من الريف، نادرًا ما يأتون، ويخافون الدخول في مشكلة معها.

أما نحن، فلم نكن نخاف من الكلاب كثيرًا.

صحيح أنني عندما رأيت “شاكوش” لأول مرة ارتعبت قليلًا من حجمه، لكنني قلت لنفسي: سأتعود. فالإيجار أرخص مما توقعت، وهذا ما كان يهمّنا.

شقتنا في الدور الثالث كانت جميلة، عيبها الوحيد باب قديم من معدن وزجاج، فيه لوح زجاجي ضيق يسمح لمن في الداخل أن يرى ظلّ من يقف في الخارج، والعكس صحيح. هذا الباب نفسه هو ما جعل حياتي تنقلب رأسًا على عقب.

في البداية، كان كل شيء طبيعيًا.

إلى أن رأيت… ذلك الشيء.

أنا من النوع الذي يسهر ليلًا. أبقى مستيقظة إلى أن يعود أحمد في الصباح، فنفطر معًا ثم ننام.

ذات ليلة، كنت جالسة في الصالة، والتلفاز يعمل بصوت عالٍ كعادته. التفتُّ بلا وعي نحو باب الشقة.

رأيت ظلًّا يقف خارج الباب.

ظلّ إنسان، واقف بلا حركة، على بُعد سنتيمترات من الزجاج.

قلت في نفسي: معقول أحمد رجع بدري؟

ثم نظرت إلى الساعة.

الثالثة فجرًا.

أحمد لا يعود في هذا الوقت أبدًا.

قمت عن الكنبة، وتقدمت خطوتين نحو الباب… ثم توقفت.

لو كان أحمد، لفتح الباب بمفتاحه، أليس كذلك؟

حاولت أن أهدّئ نفسي: ربما نسي المفتاح في العمل، ربما ينتظر أن أفتح له.

لكن لو كان قد نسي المفتاح، ألم يكن ليطرق الباب؟ ينادي باسمي؟

الخوف بدأ يتسلّل إلى قلبي.

وقفت في مكاني، أنظر إلى الظلّ من بعيد. كنت أعلم أن عليّ أن أتحرك، لا يمكن أن أبقى متسمّرة هكذا. قررت أن أقترب.

في اللحظة التي خطوت فيها خطوة نحو الباب…

انطفأ النور.

صرخت دون أن أشعر.

ثوانٍ، وعاد التيار. رمشتُ، وقلبي يخفق، ونظرت فورًا إلى الباب.

الظلّ اختفى.

لم أعد وقتها “خائفة” فقط.

كنت مرعوبة.

جلست على الكنبة أراقب باب الشقة، عيني لم تتركه حتى أشرق ضوء النهار من النافذة.

في تلك اللحظة فقط، جاء أحمد ومعه الإفطار، ورآني على هذه الحال.

سألني: “مالك يا فريدة؟ لونك باهت كده ليه؟”

قلت له: “حصل شيء… لا أعرف كيف أفسّره.”

حكيت له كل ما حدث.

ضحك أحمد وقال: “يعني هيكون عفريت يا فريدة! اهدئي شوية، أكيد كان بيتهيألك. ما تكبريش الموضوع. يلا نأكل وننام.”

لم أقتنع… لكنني حاولت أن أنسى.

استيقظت بعد الظهر، وأحمد ما زال نائمًا. شعرت بملل شديد، فقررت أن أنزل لأشتري بعض الحلوى من محل قريب.

خرجت من الشقة، وصادفت “شاكوش” على الدرج.

لم يفعل شيئًا، لم يقترب مني، فقط نظر إليّ وترك لي الطريق.

أثار ذلك في قلبي شيئًا من الطمأنينة.

لم أتأخر كثيرًا، عشر دقائق بالكثير.

عندما عدت، رأيت في مدخل البناية طفلة في حوالي الثانية عشرة، تلعب وحدها.

ظننتها من أقارب أم عهد.

وأنا أصعد، نادتني: “إنتِ اللي ساكنة جديد يا طنط؟”

ابتسمت. “أيوه يا حبيبتي.”

“إسمك إيه؟”

“فريدة. وإنتِ اسمك إيه؟”

قالت: “أنا سماح. بس بالله عليك ما تقوليش لطنط أم عهد إنك شفتيّني بلعب هنا في المدخل.”

“ليه يا حبيبتي؟”

“علشان بتزعقلي لما تلاقيني هنا.”

“ساكنة فين يا سماح؟”

“جنبكم. وهتشوفيني هنا كل يوم. بس أهم حاجة ما تقوليش لطنط أم عهد.”

ضحكت. “ماشي. مش هقول.”

وواصلت طريقي إلى شقتي.

في الليل، كنت وحدي كالمعتاد.

ولا أعرف لماذا، لكن تركيزي كله كان على شيئين: الساعة… وباب الشقة.

كل دقيقة أنظر إليهما.

عندما أصبحت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، نظرت إلى الباب… وحدث ما كنت أخشاه.

نفس الظل.

نفس الوقفة.

نفس المكان.

لم يعد بإمكاني أن أقول إنها “تهيؤات”.

تسمّرت في مكاني.

وفجأة، دوّى نباح “شاكوش” من أسفل، نباحًا غريبًا، غاضبًا.

في اللحظة نفسها، اختفى الظل من أمام الباب.

اندفعت نحو الباب، وفتحته بسرعة.

كان “شاكوش” واقفًا أمام باب شقتي، عيناه مثبتتان على الدرج المؤدي إلى الأدوار العليا، ينبح بصوت عالٍ كأنه يرى شيئًا لا أراه.

لم أخف من الكلب. بالعكس، شعرت بالأمان بوجوده.

وتأكدت أن ما أراه ليس مجرد خيال في رأسي.

حكيت لأحمد ما حدث، مرة أخرى. لكنه ظلّ مصرًّا على أنني أتخيّل، وأنه لا وجود لعفاريت ولا أشباح، وأن عليّ أن أتوقف عن مشاهدة أفلام الرعب الأجنبية.

هنا قررت ألا أشارك أحمد أي شيء يحدث لي بعد ذلك.

وقررت أن أذهب بنفسي للحديث مع أم عهد.

انتظرت حتى خرج أحمد للعمل، ثم نزلت لأطرق بابها.

فتحت لي، ورحّبت بي، ودعتني إلى داخل شقتها.

كانت مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسمتها لها في خيالي؛ بسيطة، واجتماعية، كثيرة الكلام. في وسط الحديث، قلت لها:

“أنا كنت واخدة عنك فكرة سيئة، يا أم عهد. سامحيني.”

ضحكت: “فكرة إيه يا بنتي؟”

“علشان الناس اللي بتقول إنهم بيخافوا يسكنوا في البيت بسبب الكلب بتاعك، شاكوش.”

قالت: “لا يا حبيبتي، ضحكوا عليكي. شاكوش ما ينبحش غير على الغريب عن البيت. أي حد يسكن هنا، ما يقربش منه. وبعدين الناس ما مشيتش علشان شاكوش… لا، علشان سبب تاني خالص.”

سألتها وأنا أشعر أن قلبي يهبط: “سبب إيه؟”

“هو مفيش حد قالك؟”

“قال لي إيه؟ أنا مليش معرفة بحد.”

تنهدت وقالت: “السنة اللي فاتت حصلت حادثة هنا في البيت. من بعدها، كل السكان مشيوا وسابوا البناية. وأنا بس اللي فضلت فيها.”

“حادثة إيه؟”

“في الشقة اللي في الدور الأرضي، كانت ساكنة عيلة ومعاهم بنت صغيرة. البنت كانت بتلعب في الأوضة، وكان عندهم فرن حديد صغير فوق الدولاب. فجأة، وقع الفرن على البنت… وماتت.”

صمتت قليلًا، ثم تابعت: “الشرطة جات، وحققت، وفي الآخر قالوا: قضاء وقدر. لكن بعد كده، بقت تحصل حاجات غريبة. ناس تقول إنها بتشوف خيالات على السلم، ناس تقول إنها بتسمع صوت عيال جوه شققهم، وعيال بيجروا ويختفوا… وكل شوية حد يخاف، ويسيب البيت ويمشي.”

كانت الكلمات كالسكاكين.

ما أراه أمام باب شقتي… رآه غيري قبلي.

سألتها: “وإنتِ ما خفتيش؟ ليه ما مشيتيش؟”

ضحكت ضحكة عالية: “أخاف ليه؟ لو عفريت، هيعمل فيّ إيه يعني؟ أنا ما بخافش منهم، يمكن هما اللي بيخافوا مني ومن شاكوش!”

حاولت أن أضحك معها… لكن قلبي لم يشارك.

عدت إلى شقتي وأنا أحاول أن أستوعب ما سمعت. وكل ما قررته هو أنني لن أحكي شيئًا لأحمد بعد الآن.

جاء الليل، وذهب أحمد إلى عمله، وبقيت وحدي أنتظر الثالثة صباحًا.

كنت قد قررت أن أتصرف مثل أم عهد: أتجاهل، أريه أنني لا أخاف. فليظهر كما يشاء.

عند الثالثة تمامًا، ظهر الظل من جديد، واقفًا خلف لوح الزجاج. كان مواظبًا على موعده، للأسف.

هذه المرة، قررتُ أن أذهب أبعد من التجاهل؛ ضحكت بصوت عالٍ، رفعت صوت التلفاز، اخترت مسرحية سخيفة وبدأت أضحك بشكل استفزازي، كأنني أقول له: “وجودك لا يعنيني.”

ويبدو أنني استفززته فعلاً.

فجأة، دوّى طرق على الباب. ثلاث طرقات واضحة. تجمّد الدم في عروقي. لم يعد الأمر مجرد ظلّ. الآن، هناك من “يطرق” الباب.

توقفت ضحكتي. سكت التلفاز في أذني، رغم أنه ما زال يعمل. ظللت أحدق في الباب، لا أتحرك. هو طرق ثلاث طرقات… ثم سكت.

كان قلبي يخفق بسرعة، وكنت متأهبة لأن أسمع صوته يناديني باسمي، أو يقول: “إفتحي يا فريدة…” لم يحدث ذلك. لكن هذا لم يخفّف شيئًا من رجفتي.

بعد لحظات بدت لي طويلة كالساعات، اختفى الظل. وانفجرت في بكاء طويل، حتى غلبني التعب، ونمت.

استيقظت على يد أحمد توقظني. أردت أن أخبره، أن أصرخ في وجهه بكل ما حدث، لكن قبل أن أنطق، سمعنا صوتًا غريبًا في السلم.

أصوات أقدام كثيرة تصعد بسرعة. أحمد فتح الباب ليرى ما يحدث، وأنا توسلت إليه ألا يفتحه. لكنه فتح. رأى رجال الشرطة يصعدون. يبدو أنهم كانوا متجهين إلى أعلى البناية، لا إلى شقتنا.

قال لي أحمد: “خليكي هنا، وأنا هنزل أشوف في إيه.”

وقفت في البلكونة أراقب. سيارتا شرطة في الشارع، رجال يدخلون ويخرجون، أصوات مختلطة. بعد دقائق، رأيت أحمد يتحدث مع أحد الضباط. ثم عاد إلى الشقة، ووجهه يحمل خبرًا.

سألته: “إيه اللي حصل؟”

قال مبتسمًا ابتسامة غريبة: “في واحد كان ساكن في آخر دور فوق، مش من السكان، حرامي. قاعد في الشقة من شهور، يدخل ويطلع من غير ما حد يعرف.”

“إزاي يعني يدخل ويطلع؟”

“من البيت اللي جنبنا. يطلع على السطح هناك، ويعدي على سطحنا، وينزل. البيت اللي جنبنا فيه عيادة دكتور، الناس داخلة خارجة طول الوقت، فمحدش بياخد باله منه.”

ثم أضاف: “في التحقيق، اعترف إنه هو اللي كان بيخوّف السكان. استغل قصة البنت اللي ماتت علشان يخلي الناس تصدق إن البيت مسكون، فيسيبوه. هو اللي كان بيقف قدام الأبواب، ويخبط، ويهز في الكالون… علشان يهربوا، ويبقى البيت فاضي يستخدمه براحتُه. والوحيدة اللي مقدرش يقرب منها… أم عهد، علشان شاكوش.”

سكتُّ، لا أعرف: أضحك أم أبكي؟ لا عفاريت. لا أشباح. فقط إنسان، ولّد الرعب بدمٍ بارد.

مرت الأيام بعد ذلك عادية. كنت كلما تذكرت ما حدث لي، أضحك على نفسي، وألعن الحرامي ألف مرة. وعدت أقول لنفسي: “لا يوجد شيء اسمه عفاريت.”

إلى أن جاء اليوم… الذي رأيتها فيه.

كنت نازلة لأشتري شيئًا من الشارع، ومررت أمام الشقة في الدور الأرضي، تلك التي ماتت فيها الطفلة. وجدت الباب مفتوحًا؛ أهلها كانوا قد عادوا ليأخذوا بقية عفشهم.

وأنا أعبر، وقعت عيني على صورة في صندوق من الصناديق. صورة طفلة صغيرة. طفلة أعرفها جيدًا. اقتربت. كانت صورة “سماح”. نفس الوجه. نفس العينين. نفس الابتسامة.

في تلك اللحظة، نزلت أم عهد من السلم، فأوقفتها وسألتها وأنا أشير إلى الصورة: “مين البنت دي؟”

قالت ببساطة: “دي الله يرحمها، البنت اللي ماتت هنا.”

شعرت كأن أحدًا ضربني على رأسي. “سماح”… هي الطفلة الميتة. فهمت لماذا كانت تتوسل إليّ ألا أخبر أم عهد أنني أراها في المدخل. فهمت لماذا كانت تختفي كل مرة تخرج فيها المرأة من شقتها. ارتعش جسدي كله. نسيت ما كنت أنوي شراءه.

عدت إلى شقتي، وأنا أصعد السلم، رأيتها. كانت سماح واقفة على الدرجة، تنظر إليّ وتبتسم ابتسامة واسعة، وقالت: “مش هتيجي تلعب معايا شوية يا طنط؟”

انتهت.

— النهاية —

تم النسخ!

الآراء والتعليقات